الصفحة 357 من 1087

العرب، وإذا حصل الشك: هل هذا ساجد أو ليس بساجد؟ لم يكن ممتثلًا بالاتفاق؛ لأن الوجوب معلوم، وفعل/الواجب ليس بمعلوم، كمن يتيقن وجوب صلاة أو زكاة عليه، ويشك في فعلها.

وهذا أصل ينبغي معرفته؛ فإنه يحسم مادة المنازع الذي يقول: إن هذا يسمى ساجدًا وراكعًا في اللغة، فإنه قال بلا علم ولا حجة. وإذا طولب بالدليل انقطع، وكانت الحجة لمن يقول: ما نعلم براءة ذمته إلا بالسجود والركوع المعروفين.

ثم يقال: لو وجد استعمال لفظ [الركوع والسجود] في لغة العرب بمجرد ملاقاة الوجه للأرض بلا طمأنينة لكان المعفر خده ساجدًا، ولكان الراغم أنفه ـ وهو الذي لصق أنفه بالرُّغام ـ وهو التراب ـ ساجدًا، لا سيما عند المنازع الذي يقول: يحصل السجود بوضع الأنف دون الجبهة من غير طمأنينة. فيكون نقر الأرض بالأنف سجودًا، ومعلوم أن هذا ليس من لغة القوم، كما أنه ليس من لغتهم تسمية نقرة الغراب ونحوها سجودًا، ولو كان ذلك كذلك لكان يقال للذى يضع وجهه على الأرض، ليمص شيئًا على الأرض، أو يعضه أو ينقله ونحو ذلك: ساجدًا.

وأيضًا، فإن اللّه أوجب المحافظة والإدامة على الصلاة، وذم إضاعتها والسهو عنها، فقال في أول سورة المؤمنين: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 1 - 9] ، وقد سبق بيان أن هذه الخصال واجبة. وكذلك في سورة سأل سائل قال: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَامُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 19 - 34] . فذم الإنسان كله إلا ما استثناه. فمن لم يكن متصفًا بما استثناه كان مذموما، كما في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر] ، وقال تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] ، وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5] ، وقال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .

/وهذه الآيات تقتضي ذم من ترك شيئًا من واجبات الصلاة، وإن كان في الظاهر مصليًا، مثل أن يترك الوقت الواجب، أو يترك تكميل الشرائط والأركان من الأعمال الظاهرة والباطنة، وبذلك فسرها السلف. ففي تفسير عبد بن حميد ـ وذكره عن ابن المنذر في تفسيره من حديث عبد ـ حدثنا روح، عن سعيد، عن قتادة: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9] . على وضوئها ومواقيتها وركوعها. وروى أبو بكر بن المنذر في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن، عن عبد اللّه قال: قيل لعبد اللّه: إن اللّه أكثر ذكر الصلاة في القرآن {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 32] ، {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] و {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9] فقال عبد اللّه: ذلك على مواقيتها فقالوا: ما كنا نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن إلا الترك. قال: تركها كفر. وروى سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق في قول اللّه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} قال: على مواقيتها، فقالوا: ما كنا نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن، إلا الترك. قال: تركها كفر. وروى من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت