الصفحة 126 من 1087

لا فرقان بين ذلك، ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل من يثبت شيئًا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات أن اللّه ـ تعالى ـ في كل شيء بنفسه كائنًا، ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا: لا كالشيء في الشيء.

قال أبو عبد اللّه لنا قوله: {حَتَّى نَعْلَمَ} [محمد: 31] {فَسَيَرَى اللّهُ} [التوبة: 105] و {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] فإنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجودًا، ويسمعه مسموعا، ويبصره مبصرًا، لا على استحداث علم ولا سمعولا بصر.

وأما قوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا} [الإسراء: 16] : إذا جاء وقت كون المراد فيه.

وأن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] ، {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} [الملك: 16] ، {إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42] فهذا وغيره مثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول في خلقه، لا يخفي عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أنه أرادأنه بنفسه فوق عباده؛ لأنه قال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16] يعني فوق العرش، والعرش على السماء؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء، في السماء، وقد قال مثل ذلك في قوله: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} [التوبة: 2] يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: {سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 26] يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها وكذلك قوله: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 17] يعني: فوقها عليها.

/وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} ثم فصل فقال: {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16] ولم يصل، فلم يكن لذلك معنى ـ إذا فصل قوله: {مَّن فِي السَّمَاء} ثم استأنف التخويف بالخسف ـ إلا أنه على عرشه فوق السماء.

وقال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5] ، وقال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] ، فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال: {فٌي يّوًمُ كّانّ مٌقًدّارٍهٍ خّمًسٌينّ أّلًفّ سّنّةُ} [المعارج: 4] فقال: صعودها إليه وفصله من قوله إليه، كقول القائل: اصعد إلى فلان في ليلة أو يوم. وذلك أنه في العلو وإن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى اللّه ـ عز وجل ـ، وإن كانوا لم يروه ولم يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض، وعرجوا بالأمر إلى العلو، قال تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] ولم يقل: عنده.

وقال فرعون: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} [غافر: 36،37] ، ثم استأنف الكلام فقال: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 37] فيما قال لي أن إلهه فوق السموات.

فبين اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال، وعمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب، ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته، لطلبه في بيته، أو في بدنه، أو حُشِّه [الحُشُّ: البستان، ويطلق على مخرج الغائط] ، فتعالى اللّه عن ذلك، ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح [الصَّرْح: بيت واحد يُبنى مفردًا طويلًا ضخمًا] .

/قال أبو عبد اللّه: وأما الآي التي يزعمون أنها قد وصلها ـ ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه ـ فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت