الصفحة 137 من 1087

ونقول: إن اللّه يجيء يوم القيامة، كما قال: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] ، وأن اللّه يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ، وكما قال: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 8، 9] .

إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا، وما بقي مما لم نذكره بابًا بابًا.

ثم تكلم على أن اللّه يرى، واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق، واستدل على ذلك، ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال: لا أقول: إنه مخلوق، ولا غير مخلوق، ورد عليه. ثم قال:

[باب ذكر الاستواء على العرش]

فقال: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن اللّه مستوٍ على عرشه، كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، وقال تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] ، وقال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5] .

وقال ـ تعالى ـ حكاية عن فرعون: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} [غافر: 36، 37] كذب موسى في قوله: إن اللّه فوق السموات، وقال تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16] .

فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات قال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} [الملك: 16] ؛ لأنه مستو على العرش الذي هو فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات، وليس إذا قال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} [الملك: 16] يعني جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أن اللّه ـ عز وجل ـ ذكر السموات فقال تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16] ، ولم يرد أن القمر يملؤهن وإنه فيهن جميعا.

ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن اللّه على عرشه الذي هو فوق السموات، فلولا أن اللّه على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض.

سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام العالم الرباني والعابد النوراني ابن تيمية الحراني ـ أيده الله تعالى:

ما تقول في العرش هل هو كرى أم لا؟ وإذا كان كريًا والله من ورائه محيط به بائن عنه، فما فائدة أن العبد يتوجه إلى الله تعالى حين دعائه وعبادته، فيقصد العلو دون غيره، ولا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو، وغيرها من الجهات التي تحيط بالداعي؟ ومع هذا نجد في قلوبنا قصدًا يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، وقد فطرنا عليها.

وابسط لنا الجواب في ذلك بسطًا شافيًا، يزيل الشبهة ويحقق الحق ـ إن شاء الله ـ أدام الله النفع بكم وبعلومكم آمين.

فأجاب ـ رحمه الله تعالى:

الحمد لله رب العالمين، الجواب عن هذا السؤال بثلاث مقامات:

أحدها:

إنه لقائل أن يقول: لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن العرش فلك من الأفلاك المستديرة الكرية الشكل، لا بدليل شرعي، ولا بدليل عقلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت