الصفحة 149 من 1087

وما كان مقدمة دليله مشكوكَا فيها عند بعض الناس، كان حقه أن يشك فيه، حتى يتبين له الحق، وإلا فليسكت عما لم يعلم.

وإذا تبين هذا، فكذلك قاصده يقصده إلى تلك الناحية، ولو فرض أنا فعلناه لكنا قاصدين له على هذا التقدير، لكن قصدنا له بالقصد إلى تلك الجهة ممتنع في حقنا؛ لأن القصد التام الجازم يوجب طلب المقصود بحسب الإمكان.

ولهذا قد بينا في غير هذا الموضع ـ لما تكلمنا على تنازع الناس في النية المجردة عن الفعل هل يعاقب عليها أم لا يعاقب؟ بينا ـ أن الإرادة الجازمة توجب أن يفعل المريد ما يقدر عليه من المراد، ومتى لم يفعل مقدوره لم تكن إرادته جازمة، بل يكون هما، ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه، فإن تركها لله كتبت له حسنة.

ولهذا وقع الفرق بين هم يوسف ـ عليه السلام ـ وهم امرأة العزيز، كما قال الإمام أحمد: الهم همان: هم خطرات وهم إصرار. فيوسف ـ عليه السلام ـ هم هما تركه لله فأثيب عليه، وتلك همت هم إصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل مرادها، وإن لم يحصل لها المطلوب.

والذين قالوا: يعاقب بالإرادة، احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (إنه أراد قتل صاحبه) ، وفي رواية: (إنه كان حريصًا على قتل صاحبه) . فهذا أراد إرادة جازمة، وفعل ما يقدر عليه، وإن لم يدرك مطلوبه، فهو بمنزلة امرأة العزيز، فمتى كان القصد جازمًا، لزم أن يفعل القاصد ما يقدر عليه من حصول المقصود، فإذا كان قادرًا على حصول مقصوده بطريق مستقيم امتنع مع القصد التام أن يحصله بطريق معكوس من بعيد.

فلهذا امتنع في فعل العباد عند ضرورتهم، ودعائهم لله ـ تعالى ـ وتمام قصدهم له ألا يتوجهوا إليه إلا توجهًا مستقيمًا، فيتوجهوا إلى العلو دون سائر الجهات؛ لأنه الصراط المستقيم، القريب. وما سواه فيه من البعد والانحراف والطول ما فيه، فمع القصد التام الذي هو حال الداعي العابد، والسائل المضطر يمتنع أن يتوجه إليه إلا إلى العلو، ويمتنع أن يتوجه إليه إلى جهة أخرى، كما يمتنع أن يدلي بحبل يهبط عليه، فهذا هذا، والله أعلم.

وأما من جهة الشريعة فإن الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتبديل الفطرة وتغييرها، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبوه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمْعَاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟) .

وقال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] ، فجاءت الشريعة في العبادة والدعاء بما يوافق الفطرة، بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين المتفلسفة وغيرهم، فإنهم غيروا الفطرة في العلم والإرادة جميعًا وخالفوا العقل والنقل، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.

وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا، ولكن عن يساره أو تحت قدمه) ، وفي رواية: (إنه أذن أن يبصق في ثوبه) .

وفي حديث أبي رزين المشهور، الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم: لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد إلا سيخلوا به ربه. فقال له أبو رزين: كيف يسعنا يا رسول الله وهو واحد، ونحن جميع؟ فقال: (سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله! هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخليًا به، فالله أكبر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت