فهرس الكتاب
لكن هؤلاء منهم من يزعم أن الأنبياء لم يمكنهم أن يخاطبوا الناس إلا بخلاف الحق الباطن، فلبسوا وكذبوا لمصلحة العامة، فيقال لهم: فهلا نطقوا بالباطن لخواصهم الأذكياء الفضلاء إن كان ما يزعمونه حقًا؟
وقد علم أن خواص الرسل هم على الإثبات ـ أيضًا ـ وأنه لم ينطق بالنفي أحد منهم إلا أن يكذب على أحدهم، كما يقال عن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر كانا يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما، وهذا مختلق باتفاق أهل العلم، وكذلك ما نقل عن علي وأهل بيته: أن عندهم علمًا باطنًا يخالف الظاهر الذي عند جمهور الأمة، وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه لم يكن عندهم من النبي صلى الله عليه وسلم سر ليس عند الناس، ولا كتاب مكتوب إلا ما كان في الصحيفة، وفيها: الديات، وفِكَاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر.
ثم إنه من المعلوم أن من جعله الله هاديًا مبلغًا بلسان عربي مبين، إذا كان لا يتكلم قط إلا بما يخالف الحق الباطن الحقيقي، فهو إلى الضلال والتدليس أقرب منه إلى الهدى والبيان، وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا. والمقصود أن ماجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وغيره كله حق يصدق بعضه بعضًا، وهو موافق لفطرة الخلائق، وما جعل فيهم من العقول الصريحة، والقصود الصحيحة، لا يخالف العقل الصريح، ولا القصد الصحيح، ولا الفطرة المستقيمة، ولا النقل الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإنما يظن تعارضها: من صدق بباطل من النقول، أو فهم منه ما لم يدل عليه، أو اعتقد شيئًا ظنه من العقليات وهو من الجهليات، أو من الكشوفات وهو من الكسوفات ـ إن كان ذلك معارضا لمنقول صحيح ـ وإلا عارض بالعقل الصريح، أو الكشف الصحيح، ما يظنه منقولًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون كذبًا عليه، أو ما يظنه لفظا دالا على شىء ولا يكون دالا عليه، كما ذكروه في قوله صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) ؛ حيث ظنوا أن هذا وأمثاله يحتاج إلى التأويل، وهذا غلط منهم ـ لو كان هذا اللفظ ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فإن هذا اللفظ صريح في أن الحجر ليس هو من صفات الله، إذ قال: (هو يمين الله في الأرض) ، فتقييده بالأرض يدل على أنه ليس هو يده علىلإطلاق، فلا يكون اليد الحقيقية، وقوله: (فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحًا لله ولا مقبلا ليمينه؛ لأن المشبه ليس هو المشبه به، وقد أتى بقوله: (فكأنما) ، وهي صريحة في التشبيه، وإذا كان اللفظ صريحًا في أنه جعل بمنزلة اليمين، لا أنه نفس اليمين كان من اعتقد أن ظاهره أنه حقيقة اليمين قائلًا للكذب المبين.
فهذا كله بتقدير أن يكون العرش كرى الشكل، سواء كان هو الفلك التاسع أو غير الفلك التاسع، قد تبين أن سطحه هو سقف المخلوقات، وهو العالي عليها من جميع الجوانب، وأنه لا يجوز أن يكون شىء مما في السماء والأرض فوقه، وأن القاصد إلى ما فوق العرش ـ بهذا التقدير ـ إنما يقصد إلى العلو، لا يجوز في الفطرة ولا في الشرعة ـ مع تمام قصده ـ أن يقصد جهة أخرى من جهاته الست، بل هو أيضًا يستقبله بوجهه مع كونه أعلى منه، كما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا من المثل بالقمر ـ ولله المثل الأعلى ـ وبين أن مثل هذا إذا جاز في القمر ـ وهو آية من آيات الله تعالى ـ فالخالق أعلى وأعظم.
وأما إذا قدر أن العرش ليس كرى الشكل، بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه الأرض، وأنه فوق الأفلاك الكرية، كما أن وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكري، أو غير ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه وليس كري الشكل، فعلى كل تقدير لا نتوجه إلى الله إلا إلى العلو لا إلى غير ذلك من الجهات.