الصفحة 162 من 1087

وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع/ قلب هذا لخشعت جوارحه) . ولفظ الخشوع ـ إن شاء اللّه ـ يبسط في موضع آخر.

وخشوع الجسد تَبَعُ لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيا يظهر ما ليس في قلبه، كما روي: (تَعَوَّذُوا باللّه من خشوع النفاق) ،وهو أن يرى الجسد خاشعًا والقلب خاليًا لاهيًا، فهو ــ سبحانه ــ استبطأ المؤمنين بقوله: {أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] ،فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وهؤلاء هم الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا.

وكذلك قال في الآية الأخرى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] ، والذين يخشون ربهم، هم الذين إذا ذكر اللّه تعالى وجلت قلوبهم.

فإن قيل: فخشوع القلب لذكر اللّه وما نزل من الحق واجب. قيل: نعم، لكن الناس فيه على قسمين: مقتصد وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار: هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اللّهم، إني أعوذ بك من عِلْمٍ لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونَفْسٍ لا تَشْبَعُ، ودعاء لا يُسْمَع) .

فَصْل

فإذا تبين هذا، فلفظ [الإيمان] إذا أطلق في القرآن والسنة يراد به ما يراد بلفظ [البر] وبلفظ [التقوى] وبلفظ [الدين] كما تقدم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فكان كل ما يحبه اللّه يدخل في اسم الإيمان، وكذلك لفظ [البر] يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق، وكذلك لفظ [التقوى] وكذلك [الدين] ، أو [دين الإسلام] وكذلك روى أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل اللّه هذه الآية: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} الآية [البقرة: 177] ، وقد فسر البر بالإيمان، وفُسِّر بالتقوى، وفسر بالعمل الذي يقرب إلى اللّه والجميع حق، وقد روي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر البر بالإيمان.

قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد اللّه بن يزيد المقري والملائي قالا: حدثنا المسعودي، عن القاسم قال: جاء رجل إلى أبي ذَرٍّ فسأله عن الإيمان، فقرأ: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} إلى آخر الآية، فقال الرجل: ليس عن البر سألتك. فقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له الذي قلتَ /لي. فلما أبي أن يرضى قال له: (إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سَرَّتْهُ ورَجَا ثوابها، وإذا عمل السَّيِّئَة ساءته، وخاف عِقَابَها) .

وقال: حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن عبد الكريم الجَزَرِي، عن مجاهد؛ أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقرأ عليه: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} إلى آخر الآية، وروى بإسناده عن عِكْرِمَة قال: سئل الحسن بن علي بن أبي طالب مقبله من الشام عن الإيمان فقرأ: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} ، وروى ابن بطة بإسناده عن مبارك بن حسان قال: قلت لسالم الأفطس: رجل أطاع اللّه فلم يعصه، ورجل عصى اللّه فلم يطعه، فصار المطيع إلى اللّه فأدخله الجنة، وصار العاصي إلى اللّه فأدخله النار، هل يتفاضلان في الإيمان؟ قال: لا. قال: فذكرت ذلك لعطاء فقال: سلهم: الإيمان طيب أو خبيث؟ فإن اللّه قال: لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت