الصفحة 165 من 1087

الأخرى، وهكذا ما يثنى ذكره من القصص في القرآن كقصة موسى وغيرها، ليس المقصود بها أن تكون سَمَرًا، بل المقصود بها أن تكون عبرًا كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: 111] ، فالذي وقع شيء واحد وله صفات، فيعبر عنه بعبارات متنوعة، كل عبارة تدل على صفة من الصفات التي يعتبر بها المعتبرون، وليس هذا من التكرير في شيء.

وهكذا أسماء دينه، الذي أمر اللّه به ورسوله يسمى إيمانًا، وبرًا، وتقوى، وخيرًا، ودينًا، وعملًا صالحًا، وصراطًا مستقيمًا، ونحو ذلك، وهو في نفسه واحد، لكن كل اسم يدل على صفة ليست هي الصفة التي يدل عليها الآخر، وتكون تلك الصفة هي الأصل في اللفظ، والباقي كان تابعًا لها لازمًا لها، ثم صارت دالة عليه بالتضمن، فإن الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولابد فيه من شيئين: تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته. ويقال لهذا: قول القلب، قال الجنيد بن محمد: التوحيد: قول القلب. والتوكل: عمل القلب، فلابد فيه من قول القلب، وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولابد فيه من عمل القلب، مثل حب اللّه ورسوله، وخشية اللّه، وحب ما يحبه اللّه ورسوله، وبغض ما يبغضه اللّه ورسوله، وإخلاص العمل للّه وحده، وتوكل القلب على اللّه وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها اللّه ورسوله وجعلها من الإيمان.

/ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سَرَى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحت صَلَح لها سائر الجسد، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ لها سائر الجسد، إلا وهي القلب)

وقال أبو هريرة: القلب مَلِكٌ والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خَبُثَ الملك خبثت جنوده، وقول أبي هريرة تقريب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أحسن بيانًا، فإن الملك وإن كان صالحًا فالجند لهم اختيار، قد يعصون به ملكهم وبالعكس، فيكون فيهم صلاح مع فساده، أو فساد مع صلاحه، بخلاف القلب؛ فإن الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد)

فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد؛ ولهذا قال: من قال من الصحابه عن المصلي العابث: لو خَشَع قَلْبُ هذا لخشعت جوارحه. فلابد في إيمان القلب من حب اللّه ورسوله وأن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، قال اللّه تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} [البقرة: 165] ، فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبًا للّه من المشركين لأندادهم.

وفي الآية قولان: قيل: يحبونهم كحب المؤمنين اللّه، والذين آمنوا أشد حبًا للّه منهم لأوثانهم. وقيل: يحبونهم كما يحبون اللهّّ، والذين آمنوا أشد حبًا للّه منهم، وهذا هو الصواب، والأول قول متناقض وهو باطل، فإن المشركين لا يحبون الأنداد مثل محبة المؤمنين للّه، وتستلزم الإرادة، والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل، فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا للّه ورسوله، مريدًا لما يحبه اللّه ورسوله إرادة جازمة، مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته، دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه اللّه عليه.

ومن هنا يظهر خطأ قول جَهْم بن صَفْوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب اللّه ورسوله، ويعادي اللّه ورسوله، ويعادي أولياء اللّه، ويوالي أعداء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت