فهرس الكتاب
الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملًا، فإنه لابد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر، لكن من صدق الرسول ومات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك. وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر، وأمر أمر ما لا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل؛ لموته قبل أن يبلغه شيء آخر.
وأيضًا لو قدر أنه عاش، فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول، وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل بالمناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة، فصار يجب من الإيمان تصديقًا وعملًا على أشخاص ما لا يجب على آخرين.
وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال. فنقول: / إن قلتم: إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين؛ ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [آل عمران: 97] ؛ولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان، كحديث وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْس، وحديث الرجل النجدي الذي يقال له: ضِمَام بن ثَعْلَبة وغيرهما، وإنما جاء ذكر الحج في حديث ابن عمر وجبريل، وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس، فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي صلىلله عليه وسلم في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد، وسنذكر إن شاء اللّه متى فرض الحج؟
وكذلك قولهم: من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنًا، فصحيح؛ لأنه أتى بالإيمان الواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد، فهذا مما يجب أن يعرف، فإنه تزول به شبهة حصلت للطائفتين.
فإذا قيل: الأعمال الواجبة من الإيمان، فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئًا واحدًا في حق جميع الناس. وأهل السنة والحديث يقولون: جميع الأعمال الحسنة واجبها ومستحبها من الإيمان، أي: من الإيمان الكامل بالمستحبات، ليست من الإيمان الواجب. ويفرق بين الإيمان الواجب وبين الإيمان الكامل/ بالمستحبات، كما يقول الفقهاء: الغُسْل ينقسم إلى مجزئ وكامل، فالمجزئ: ما أتى فيه بالواجبات فقط، والكامل: ما أتى فيه بالمستحبات. ولفظ الكمال قد يراد به الكمال الواجب، وقد يراد به الكمال المستحب.
وأما قولهم: إن اللّه فرق بين الإيمان والعمل في مواضع. فهذا صحيح. وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل اللّه ورسوله فيه الأعمال المأمور بها. وقد يقرن به الأعمال. وذكرنا نظائر لذلك كثيرة. وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب. والأعمال الظاهرة لازمة لذلك. لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولًا للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لابد معه من الأعمال الصالحة.
ثم للناس في مثل هذا قولان: منهم من يقول: المعطوف دخل في المعطوف عليه أولًا، ثم ذكر باسمه الخاص تخصيصًا له، لئلا يظن أنه لم يدخل في الأول، وقالوا: هذا في كل ما عطف فيه خاص على عام، كقوله: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] ،