الصفحة 24 من 1087

ولما قال بعض وفد بنى تَمِيم: يا محمد، أعطنى، فإن حَمْدِى زَيْنُ وإن ذَمِّى شَيْنٌ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك الله عز وجل)

وكتبت عائشة إلى معاوية، وروى أنها رفعته إلى النبى صلى الله عليه وسلم: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يُغْنُوا عنه من الله شيئا) هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: (من أرضى الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذامًا) هذا لفظ المأثور عنها، وهذا من أعظم الفقه في الدين، والمرفوع أحق وأصدق، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، وهو كاف عبده {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3] . فالله يكفيه مُؤْنَةَ الناس بلا رَيْب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه، فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه، إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا، كالظالم الذى يعض على يده يقول: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 27، 28] ، وأما كون حامده ينقلب ذامًا، فهذا يقع كثيرًا، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداء عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم.

فالتوحيد ضد الشرك، فإذا قام العبد بالتوحيد الذى هو حق الله، فعبده لا يشرك به شيئًا كان موحدًا. ومن توحيد الله وعبادته: التوكل عليه والرجاء له، والخوف منه، فهذا يخلص به العبد من الشرك. وإعطاء الناس حقوقهم، وترك العدوان عليهم، يخلص به العبد من ظلمهم، ومن الشرك بهم. وبطاعة ربه واجتناب معصيته، يخلص العبد من ظلم نفسه، وقد قال ـ تعالى ـ في الحديث القدسى: (قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين) . فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد، وكما في الحديث الذى رواه الطبرانى في الدعاء: (يا عبادى، إنما هى أربع، واحدة لى، وواحدة لك، وواحدة بينى وبينك، وواحدة بينك وبين خلقى، فالتى لى: تعبدنى لا تشرك بى شيئا. والتى لك: عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه. والتى بينى وبينك: فمنك الدعاء وعلىّ الإجابة. والتى بينك وبين خلقى: فأت إليهم ما تحب أن يأتوه إليك) . والله يحب النصفين، ويحب أن يعبدوه.

وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله وإحسانه، وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب، وهو إنما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج أولا، وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى الهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يصل إلى العبادة. فهو يطلب ما يحتاج إليه أولا ليتوسل به إلى محبوب الرب، الذى فيه سعادته. وكذلك قوله: (عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه) ، فإنه يحب الثواب الذى هو جزاء العمل، فالعبد إنما يعمل لنفسه، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] ، ثم إذا طلب العبادة فإنما يطلبها من حيث هى نافعة له، محصلة لسعادته، محصنة له من عذاب ربه فلا يطلب العبد قط إلا ما فيه حظ له، وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له، فمن عبد الله لا يشرك به شيئًا أحبه وأثابه، فيحصل للعبد ما يحبه من النعم تبعًا لمحبوب الرب، وهذا كالبائع والمشترى، البائع يريد من المشترى أولا الثمن، ومن لوازم ذلك: إرادة تسليم المبيع، والمشترى يريد السلعة، ومن لوازم ذلك: إرادة إعطاء الثمن.

فالرب يحب أن يحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به. والعبد يحب ما يحتاج إليه وينتفع به، ومن لوازم ذلك: محبته لعبادة الله، فمن عبد الله وأحسن إلى الناس، فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله، في إخلاص الدين له. ومن طلب من العباد العوض، ثناء أو دعاء أو غير ذلك، لم يكن محسنًا إليهم لله. ومن خاف الله فيهم ولم يخفهم في الله كان محسنًا إلى الخلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت