الصفحة 26 من 1087

قلت: وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفًا مطلقًا، ليس له في تخويف ناس بناس ضرورة، فحذف الأول لأنه ليس مقصودًا.

وقال بعض المفسرين: يخوف أولياءه المنافقين، والأول أظهر؛ لأنها نزلت بسبب تخويفهم من الكفار، فهى إنما نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس، وقد قال: {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} [آل عمران: 175] الضمير عائد إلى أولياء الشيطان، الذين قال فيهم: {فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] قبلها، والذى قال الثانى فسرها من جهة المعنى، وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه؛ لأن سلطانه عليهم، فهو يدخل عليهم المخاوف دائما، وإن كانوا ذوى عَدَدٍ وعُدَدٍ، وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوفهم الكفار، أو أنهم أرادوا المفعول الأول، أى يخوف المنافقين أولياءه، وهو يخوف الكفار، كما يخوف المنافقين، ولو أريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه، وهو قوله: {فّلا تّخّافٍوهٍم} .

وأيضًا، فإنه يعد أولياءه وَيُمَنِّيهِمْ، ولكن الكفار يلقى الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين، والشيطان لا يختار ذلك، قال تعالى: {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ} [الحشر: 13] ، وقال: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ} [الأنفال: 12] ، ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا الإسلام وهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين، وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما قال تعالى: وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [التوبة: 56] ، وقال: {فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ} الآية [الأحزاب: 19] . فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين، كما دل عليه السياق، وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم.

فدلت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناسا خائفين منهم.

ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما قال: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] ، فخوف الله أمر به، وخوف أولياء الشيطان نَهَى عنه، قال تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [البقرة: 150] ، فنهى عن خَشْيَةِ الظالم وأمر بخشيته، وقال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39] ، وقال: {فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] .

وبعض الناس يقول: يا رب، إنى أخافك وأخاف من لا يخافك، فهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدًا، فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل: قد يؤذينى، قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله، وإنما يسلط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر، ولم يسلطه عليك، فإنه قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ، وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك، كما قال: {وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] .

وفى الآثار: (يقول الله: أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيها بيدى، فمن أطاعنى جعلت قلوب الملوك عليه رحمة، ومن عصانى جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبِّ الملوك، ولكن توبوا إلىَّ وأطيعون أعطفهم عليكم) .

ولما سلط الله العدو على الصحابة يوم أحد قال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ} الآية [آل عمران: 165] ، وقال: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} الآيات [آل عمران: 146] والأكثرون يقرؤون: قاتل ـ والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف: هم الجماعات الكثيرة، قال ابن مسعود وابن عباس ـ في رواية عنه ـ والفراء: ألوف كثيرة. وقال ابن عباس في أخرى ومجاهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت