الصفحة 336 من 1087

/وقال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] ، والأمة: هو معلم الخير الذي يؤتم به، كما أن القدوة الذي يقتدى به.

واللّه ـ تعالى ـ جعل في ذريته النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته قال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] ، وقال تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 68] ، وقال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] ، وقال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 135، 136] .

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن إبراهيم خير البرية، فهو أفضل الأنبياء بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو خليل اللّه تعالى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: (إن اللّه اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا) ، وقال: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل اللّه) ـ يعني نفسه ـ وقال: (لا يبقين / في المسجد خَوْخَة إلا سُدَّتْ إلا خَوْخَة أبي بكر) ، وقال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) وكل هذا في الصحيح. وفيه أنه قال: ذلك قبل موته بأيام، وذلك من تمام رسالته.

فإن في ذلك تحقيق تمام مخالته للّه، التي أصلها محبة اللّه ـ تعالى ـ للعبد، ومحبة العبد للّه خلافًا للجهمية.

وفي ذلك تحقيق توحيد اللّه، وأن لا يعبدوا إلا إياه، ورد على أشباه المشركين.

وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق حقه، وهم أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكا بالبشر.

والخلة: هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية للّه، ومن الرب ـ سبحانه ـ كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه، ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل، وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيم إذا كان متعبدًا للمحبوب، والمتيم المتعبد، وتيم اللّه عبده، وهذا على الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم؛ ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة فإنه كما قيل في المعنى:

/قد تخللت مسلك الروح مني ** و بذا سمى الخليل خليلًا

بخلاف أصل الحب، فإنه صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: (اللّهم إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما) ، وسأله عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك؟ قال: (عائشة) . قال: فمن الرجال؟ قال: (أبوها) ، وقال لعلى ـ رضي اللّه عنه ـ: (لأعطين الراية رجلًا يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله) وأمثال ذلك كثير.

وقد أخبر ـ تعالى ـ أنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، وقال: {فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين، و محبة المؤمنين له، حتى قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] .

وأما الخلة فخاصة. وقول بعض الناس: إن محمدًا حبيب اللّه، وإبراهيم خليل اللّه، وظنه أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف، فإن محمدًا أيضًا خليل اللّه كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت