فهرس الكتاب
/وأيضًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ: [والنجم] ، سجد وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس. كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس. وفي الصحيح عن ابن مسعود: أنهم سجدوا إلا رجلا من المشركين أخذ كفا من حصا، وقال: يكفيني هذا. قال: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. وهذا يدل على أنهم كانوا مأمورين بهذا السجود، وأن تاركه كان مذمومًا، وليس هو سجود الصلاة، بل كان خضوعا للَّه، وفيهم كفار، وفيهم من لم يكن متوضيا، لكن سجود الخضوع إذا تلي كلامه.
كما أثنى على من إذا سمعه سجد، فقال: {إِذَا تُتْلَي عليهمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] ، وقال: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَي عليهمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107ـ 109] ، وهذا وإن قيل: إنه متناول سجود الصلاة، فإنهم إذا سمعوا القرآن ركعوا وسجدوا، فلا ريب أنه متناول سجود القرآن بطريق الأولى؛ لأن هناك السجود بعض الصلاة، وهنا ذكر سجودًا مجردًا على الأذقان، فما بقي يمكن حمله على الركوع؛ لأن الركوع لا يكون على الأذقان.
وقوله: {لِلأَذْقَانِ} أي: على الأذقان. كما قال: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] أي: على الجبين. وقوله: {لِلأَذْقَانِ} ، يدل على تمام السجود، / وأنهم سجدوا على الأنف مع الجبهة حتى التصقت الأذقان بالأرض، ليسوا كمن سجد على الجبهة فقط، والساجد على الأنف قد لا يلصق الذقن بالأرض، إلا إذا زاد انخفاضه.
وأما احتجاج من لم يوجبه بكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد لما قرأ عليه زيد [النجم] ، وبقول عمر: لما قرأ على المنبر سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى جاء السجدة. قال: يا أيها الناس، إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، وفي لفظ: فلما كان في الجمعة الثانية تشرفوا ـ فقال: إنا نمر بالسجدة ولم تكتب علينا، ولكن قد تشوفتم، ثم نزل فسجد.
فيقال: تلك قضية معينة، ولعله لما لم يسجد زيد لم يسجد هو، كما قال ابن مسعود: أنت إمامنا، فإن سجدت سجدنا. وقال عثمان: إنما السجدة على من جلس إليها، واستمع. وهذا يدل على أنها تجب على المستمع، ولا تجب على السامع، وكذلك حديث ابن مسعود يدل على أنها لا تجب إذا لم يسجد القارئ.
وقد يقال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم عذر عند من يقول: إن السجود فيها مشروع. فمن الناس من يقول: يمكن أنه لم يكن على / طهارة، ولكن قد يرجح جواز السجود على غير طهارة.
وقد قيل: إن السجود في [النجم] وحدها منسوخ، بخلاف [اقرأ] و [الانشقاق] ، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيهما، وسجد معه أبو هريرة، وهو أسلم بعد خيبر. وهذا يبطل قول من يقول لم يسجد في الم
فصل بعد الهجرة، وأما سورة النجم.
بل حديث زيد صريح في أنه لم يسجد فيها، قال هؤلاء: فيكون النسخ فيها خاصة، لا في غيرها، لما كان الشيطان قد ألقاه حين ظن من ظن أنه وافقهم، ترك السجود فيها بالكلية سدًا لهذه الذريعة. وهي في الصلاة تأتي في آخر القيام، وسجدة الصلاة تغني عنها، فهذا القول أقرب من غيره. والله أعلم.
وأما حديث عمر: فلو كان صريحًا لكان قوله وإقرار من حضر، وليسوا كل المسلمين. وقول عثمان وغيره يدل على الوجوب. ثم يقال: قد يكون مراد عمر أنه لم يكتب علينا السجود في هذه الحال، وهو إذا قرأها الإمام على المنبر. يبين ذلك أن السجود في هذه الحال / ليس كالسجود