الصفحة 388 من 1087

كان سفره فهو نص، وإن كان ذلك الذي قطعه من السفر، فأنس بن مالك استدل بذلك على أنه يقصر إليه إذا كان هو السفر. يقول: إنه لا يقصر إلا في السفر، فلولا أن قطع هذه المسافة سفر لما قصر.

وهذا يوافق قول من يقول: لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون سفرًا، لا يكفي مجرد قصده المسافة التي هي سفر، وهذا قول ابن حزم وداود وأصحابه، وابن حزم يحد مسافة القصر بميل، لكن داود وأصحابه يقولون: لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو غزو، وابن حزم يقول: إنه يقصر في كل سفر، وابن حزم عنده أنه لا يفطر إلا في هذه المسافة وأصحابه يقولون: إنه يفطر في كل سفر، بخلاف القصر، لأن القصر ليس عندهم فيه نص عام عن الشارع، وإنما فيه فعله أنه قصر في السفر، ولم يجدوا أحدًا قصر فيما دون ميل، ووجدوا الميل منقولًا عن ابن عمر.

وابن حزم يقول: السفر هو البروز عن محلة الإقامة، لكن قد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البقيع لدفن الموتي وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصروا ولم يفطروا. فخرج هذا عن أن يكون سفرًا، ولم يجدوا أقل من ميل يسمي سفرًا؛ فإن ابن عمر قال: لو خرجت ميلًا، لقصرت الصلاة. فلما ثبت أن هذه المسافة / جعلها سفرًا ولم نجد أعلى منها يسمي سفرًا، جعلنا هذا هو الحد، قال: وما دون الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر فلا يقصر فيه ولا يفطر. وإذا بلغ الميل ـ فحينئذ ـ صار له سفر يقصر فيه الصلاة ويفطر فيه، فمن ـ حينئذ ـ يقصر ويفطر، وكذلك إذا رجع، فكان على أقل من ميل فإنه يتم ليس في سفر يقصر فيه.

قلت: جعل هؤلاء السفر محدودًا في اللغة. قالوا: وأقل ما سمعنا أنه يسمي سفرًا هو الميل وأولئك جعلوه محدودًا بالشرع، وكلا القولين ضعيف. أما الشارع فلم يحده. وكذلك أهل اللغة لم ينقل أحد عنهم أنهم قالوا: الفرق بين ما يسمي سفرًا وما لا يسمي سفرًا هو مسافة محدودة، بل نفس تحديد السفر بالمسافة باطل في الشرع واللغة، ثم لو كان محدودًا بمسافة ميل، فإن أريد أن الميل يكون من حدود القرية المختصة به، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج أكثر من ميل من محله في الحجاز ولا يقصر ولا يفطر، وإن أراد من المكان المجتمع الذي يشمله اسم مدينة ميلًا، قيل له: فلا حجة لك في خروجه إلى المقابر والغائط؛ لأن تلك لم تكن خارجًا عن آخر حد المدينة. ففي الجملة كان يخرج إلى العوالي وإلى حد كما كان يخرج إلى المقابر والغائط وفي ذلك ما هو أبعد من ميل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يخرجون من المدينة إلى أكثر من ميل، ويأتون إليها أبعد من ميل ولا يقصرون،/ كخروجهم إلى قباء والعوالي وأحد، ودخولهم للجمعة وغيرها من هذه الأماكن.

وكان كثير من مساكن المدينة عن مسجده أبعد من ميل، فإن حرم المدينة بريد في بريد، حتى كان الرجلان من أصحابه لبعد المكان يتناوبان الدخول يدخل هذا يومًا وهذا يومًا، كما كان عمر بن الخطاب وصاحبه الأنصاري يدخل هذا يومًا وهذا يومًا، وقول ابن عمر: لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة، هو كقوله: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر، وهذا إما أن يريد به ما يقطعه من المسافة التي يقصدها فيكون قصده: إني لا أؤخر القصر إلى أن أقطع مسافة طويلة. وهذا قول جماهير العلماء، إلا من يقول: إذا سافر نهارًا لم يقصر إلى الليل.

وقد احتج العلماء على هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين. وقد يحمل حديث أنس على هذا، لكن فعله يدل على المعني الأول، أو يكون مراد ابن عمر: من سَافر قَصَر، ولو كان قصده هذه المسافة إذا كان في صحراء بحيث يكون مسافرًا لا يكون متنقلًا بين المساكن، فإن هذا ليس بمسافر باتفاق الناس، وإذا قدر أن هذا مسافر، فلو قدر أنه مسافر أقل من الميل بعشرة أذرع فهو ـ أيضًا ـ مسافر. فالتحديد بالمسافة / لا أصل له في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت