فهرس الكتاب
ومن لم يفرق بين الأحوال الشيطانية والأحوال الرحمانية، كان بمنزلة من سوي بين محمد رسول الله وبين مُسيلمة الكذاب، فإن مسيلمة كان له شيطان ينزل عليه ويوحي إليه.
/ومن علامات هؤلاء: أن الأحوال إذا تنزلت عليهم وقت سماع المكاء والتصدية أزبدوا وأرعدوا ـ كالمصروع ـ وتكلموا بكلام لا يفقه معناه، فإن الشياطين تتكلم على ألسنتهم، كما تتكلم على لسان المصروع.
والأصل في هذا الباب: أن يعلم الرجل أن أولياء الله هم الذين نعتهم الله في كتابه، حيث قال: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عليهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62،63] ، فكل من كان مؤمنًا تقيا كان لله وليا. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله تعالى: من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلىعبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلىبالنوافل حتي أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه) .
ودين الإسلام مبني على أصلين: على ألا نعبد إلا الله، وأن/ نعبده، بما شرع، لا نعبده بالبدع، قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:
110]، فالعمل الصالح ما أحبه الله ورسوله، وهو المشروع المسنون؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
ولهذا كانت أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوي) ، وقوله: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وقوله: (الحلال بَينٌ والحرام بَينٌ، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقي الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعي حول الحمي يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمي، ألا وإن حمي الله محارمه، ألا وإن في الجسد مُضْغَةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) . والحمد لله رب العالمين، وصلي الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
فصل
في الحج عن الميت، أو المعضوب بمال يأخذه إما نفقة، فإنه جائز بالاتفاق، أو بالإجارة أو بالجعالة على نزاع بين الفقهاء في ذلك، سواء كان المال المحجوج به موصي به لمعين، أو عينًا مطلقًا، أو مبذولًا، أو مخرجًا من صلب التركة. فمن أصحاب الشافعي من استحب ذلك، وقال: هو من أطيب المكاسب؛ لأنه يعمل صالحًا ويأكل طيبًا. والمنصوص عن أحمد أنه قال: لا أعرف في السلف من كان يعمل هذا، وعَدَّه بدعة، وكرهه. ولفظ نصه مكتوب في غير هذا الموضع. ولم يكره إلا الإجارة والجعالة.
قلت: حقيقة الأمر في ذلك: أن الحاج يستحب له ذلك إذا كان مقصوده أحد شيئين: الإحسان إلى المحجوج عنه، أو نفس /الحج لنفسه.
وذلك أن الحج عن الميت إن كان فرضًا فذمته متعلقة به، فالحج عنه إحسان إليهبابراء ذمته، بمنزلة قضاء دينه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للخثعمية: (أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزي عنه؟) قالت: نعم، قال: (فالله أحق بالقضاء) ، وكذلك ذكر هذا المعني في عدة أحاديث، بين أن الله لرحمته وكرمه أحق بأن يقبل قضاء الدين عمن قضي عنه، فإذا كان مقصود الحاج قضاء