الصفحة 641 من 1087

فإن الله قد ذكر في كتابه من الثناء على الصحابة والرضوان عليهم والاستغفار لهم ما هم كافرون بحقيقته. وذكر في كتابه من الأمر بالجمعة والأمر بالجهاد وبطاعة أولى الأمر ما هم خارجون عنه. وذكر في كتابه من موالاة المؤمنين وموادتهم ومؤاخاتهم والإصلاح بينهم ما هم عنه خارجون. وذكر في كتابه من النهى عن موالاة الكفار وموادتهم ما هم خارجون /عنه. وذكر في كتابه من تحريم دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم، وتحريم الغيبة والهمز، واللمز، ما هم أعظم الناس استحلالا له. وذكر في كتابه من الأمر بالجماعة والائتلاف والنهى عن الفرقة والاختلاف ما هم أبعد الناس عنه. وذكر في كتابه من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته واتباع حكمه ما هم خارجون عنه. وذكر في كتابه من حقوق أزواجه ما هم برآء منه. وذكر في كتابه من توحيده وإخلاص الملك له وعبادته وحده لا شريك له ما هم خارجون عنه. فإنهم مشركون كما جاء فيهم الحديث؛ لأنهم أشد الناس تعظيما للمقابر التى اتخذت أوثانا من دون الله. وهذا باب يطول وصفه.

وقد ذكر في كتابه من أسمائه وصفاته ما هم كافرون به. وذكر في كتابه من قصص الأنبياء والنهى عن الاستغفار للمشركين ما هم كافرون به. وذكر في كتابه من أنه على كل شىء قدير، وأنه خالق كل شىء، وأنه ما شاء الله لا قوة إلا بالله ما هم كافرون به. ولا تحتمل الفتوى إلا الإشارة المختصرة.

ومعلوم قطعا أن إيمان الخوارج بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من إيمانهم. فإذا كان أمير المؤمنين على بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ قد قتلهم ونهب عسكره ما في عسكرهم من الكراع والسلاح والأموال، فهؤلاء أولى أن يقاتلوا وتؤخذ أموالهم، كما أخذ أمير المؤمنين على بن /أبى طالب أموال الخوارج.

ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ، كقتال أمير المؤمنين على بن أبى طالب لأهل الجمل وصفين، فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة الإسلام، وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها.

فإن هؤلاء لو ساسوا البلاد التى يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكا كسائر الملوك، وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته شرا من خروج الخوارج الحرورية، وليس لهم تأويل سائغ؛ فإن التأويل السائغ هو الجائز الذى يقر صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب، كتأويل العلماء المتنازعين في موارد الاجتهاد. وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع، ولكن لهم تأويل من جنس تأويل مانعى الزكاة، والخوارج، واليهود، والنصارى. وتأويلهم شر تأويلات أهل الأهواء.

ولكن هؤلاء المتفقهة لم يجدوا تحقيق هذه المسائل في مختصراتهم.

وكثير من الأئمة المصنفين في الشريعة لم يذكروا في مصنفاتهم قتال الخارجين عن أصول الشريعة الاعتقادية والعملية، كمانعى الزكاة والخوارج ونحوهم، إلا من جنس قتال الخارجين على الإمام، كأهل /الجمل وصفين. وهذا غلط، بل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فرق بين الصنفين، كما ذكر ذلك أكثر أئمة الفقه، والسنة، والحديث، والتصوف، والكلام وغيرهم.

وأيضا، فقد جاءت النصوص عن النبى صلى الله عليه وسلم بما يشملهم وغيرهم، مثل ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات، مات ميتة جاهلية، ومن قتل تحت راية عمية، يغضب للعصبية، ويقاتل للعصبية، فليس منى، ومن خرج على أمتى يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يبقى لذى عهدها فليس منى) ، فقد ذكر صلى الله عليه وسلم البغاة الخارجين عن طاعة السلطان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت