فهرس الكتاب
وبما يناله من الحظوظ، كالذي كان لبيت المقدس الذي يقال له [ابن البوري] والذي كان بدمشق الذي يقال لا [ابن القف] والذي بقسطنطينية وهو [البابا] عندهم وخلق كثير من كبار الباباوات والمطارنة والأساقفة لما خاطبهم قوم من الفضلاء أقروا لهم بأنهم ليسوا على عقيدة النصارى، وإنما بقاؤهم على ما هم عليه لأجل العادة والرياسة كبقاء الملوك والأغنياء على ملكهم وغناهم ولهذا تجد غالب فضلائهم إنما همة أحدهم نوع من العلم الرياضي. كالمنطق والهيئة والحساب والنجوم، أو الطبيعي كالطب ومعرفة الأركان أو التكلم في الإلهي على طريقة الصابئة الفلاسفة الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل عليه السلام: قد نبذوا دين المسيح والرسل الذين قبله وبعده وراء ظهورهم وحفظوا رسوم الدين لأجل الملوك والعامة.
وأما الرهبان فأحدثوا من أنواع المكر والحيل بالعامة ما يظهر لكل عاقل، حتى صنف الفضلاء في حيل الرهبان كتبا: مثل النار التي كانت تصنع بقمامة. يدهنون خيطا دقيقا بسندروس ويلقون النار عليه بسرعة فتنزل. فيعتقد الجهال أنها نزلت من السماء ويأخذونها إلى البحر وهي صنعة ذلك الراهب يراه الناس عيانا وقد اعترف هو وغيره أنهم يصنعونها.
وقد اتفق أهل الحق من جميع الطوائف على أنه لا تجوز عبادة الله تعالى بشيء ليس له حقيقة. وقد يظن المنافقون أن ما ينقل عن المسيح وغيره من المعجزات من جنس النار المصنوعة.
وكذلك حيلهم في تعليق الصليب وفي بكاء التماثيل التي يصورونها على صورة المسيح وأمه وغيرهما ونحو ذلك: كل ذلك يعلم كل عاقل أنه إفك مفترى وأن جميع أنبياء الله وصالحي عباده برآء من كل زور وباطل وإفك كبراءتهم من سحر سحرة فرعون.
ثم إن هؤلاء عمدوا إلى الشريعة التي يعبدون الله بها فناقضوا الأولين من اليهود فيها، مع أنهم يأمرون بالتمسك بالتوراة، إلا ما نسخه المسيح. قصر هؤلاء في الأنبياء حتى قتلوهم. وغلا هؤلاء فيهم حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم. وقال أولئك: إن الله لا يصلح له أن يغير ما أمر به فيفسخه، لا في وقت آخر ولا على لسان نبي آخر. وقال هؤلاء: بل الأحبار والقسيسون يغيرون ما شاءوا ويحرمون ما رأوا ومن أذنب ذنبا وضعوا عليه ما رأوا من العبادات وغفروا له. ومنهم من يزعم أنه ينفخ في المرأة من روح القدس فيجعل البخور قربانًا. وقال أولئك: حرم علينا أشياء كثيرة. وقال هؤلاء: ما بين البقة والفيل حلال: كل ما شئت ودع ما شئت. وقال أولئك: النجاسات مغلظة، حتى إن الحائض لا يقعد معها ولا يؤكل معها. وهؤلاء يقولون: ما عليك شيء نجس ولا يأمرون بختان ولا غسل منجنابة ولا إزالة نجاسة، مع أن المسيح والحواريين كانوا على شريعة التوراة.
ثم إن الصلاة إلى المشرق لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون، وإنما ابتدعها قسطنطين أو غيره. وكذلك الصليب إنما ابتدعه قسطنطين برأيه وبمنام زعم أنه رآه. وأما المسيح والحواريون فلم يأمروا بشيء من ذلك. والدين الذي يتقرب العباد به إلى الله لا بد أن يكون الله أمر به وشرعه على ألسنة رسله وأنبيائه، وإلا فالبدع كلها ضلالة وما عبدت الأوثان إلا بالبدع.
وكذلك إدخال الألحان في الصلوات لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون. وبالجملة فعامة أنواع العبادات والأعياد التي هم عليها لم ينزل بها الله كتابا ولا بعث بها رسولا، لكن فيهم رأفة ورحمة وهذا من دين الله، بخلاف الأولين، فإن فيهم قسوة ومقتا وهذا مما حرمه الله تعالى لكن الأولون لهم تمييز وعقل مع العناد والكبر. والآخرون فيهم ضلال عن الحق وجهل بطريق الله. ثم إن هاتين الأمتين تفرقتا أحزابا كثيرة في أصل دينهم واعتقادهم في معبودهم ورسولهم. هذا يقول: إن جوهر اللاهوت والناسوت صارا جوهرا واحدا وطبيعة واحدة وأقنوما واحدا. وهم اليعقوبية. وهذا يقول: بل هما جوهران وطبيعتان وأقنومان. وهم النسطورية. وهذا يقول بالاتحاد من وجه