الصفحة 703 من 1087

ومحبة اللّه كذلك بحسب ما يأتي به العبد من محابه، فكل من كان أعظم فعلًا لمحبوب الحق كان الحق أعظم محبة له، وانتقاله من مكروه الحق إلى محبوبه مع قوة بغض ما كان عليه من الباطل، وقوة حب ما انتقل إليه من حب الحق، فوجب زيادة محبة الحق له ومودته إياه، بل يبدل اللّه سيئاته حسنات لأنه بدل صفاته المذمومة بالمحمودة فيبدل اللّه سيئاته حسنات، فإن الجزاء من جنس العمل. وحينئذ فإذا كان إتيان التائب بما يحبه الحق أعظم من إتيان غيره كانت محبة الحق له أعظم وإذا كان فعله لما يوده اللّه منه أعظم من فعله له قبل التوبة كانت / مودة اللّه له بعد التوبة أعظم من مودته له قبل التوبة، فكيف يقال: الود لا يعود.

وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول: إن اللّه لا يبعث نبيًا إلا من كان معصومًا قبل النبوة، كما يقول ذلك طائفة من الرافضة وغيرهم، وكذلك من قال: إنه لا يبعث نبيًا إلا من كان مؤمنا قبل النبوة، فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون نقصًا وإن تاب التائب منها، وهذا منشأ غلطهم. فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصًا فهو غالط غلطًا عظيمًا، فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منه شيء أصلًا، لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شيء، وإن أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله.

والأنبياء ـ صلوات اللّه عليهم وسلامه ـ كانوا لا يؤخرون التوبة، بل يسارعون إليها، ويسابقون إليها، لا يؤخرون ولا يصرون على الذنب بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمنًا قليلًا كفر اللّه ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون صلى الله عليه وسلم، هذا على المشهور إن إلقاءه كان بعد النبوة، وأما من قال إن إلقاءه كان قبل النبوة فلا يحتاج إلى هذا.

فصل

في العبادات و الفرق بين شرعيها وبدعيها

فإن هذا باب كثر فيه الاضطراب، كما كثر في باب الحلال والحرام، فإن أقوامًا استحلوا بعض ما حرمه الله، وأقوامًا حرموا بعض ما أحل الله ـ تعالى ـ وكذلك أقوامًا أحدثوا عبادات لم يشرعها الله، بل نهى عنها.

وأصل الدين: أن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، ليس لأحد أن يخرج عن الصراط المستقيم الذي بعث الله به رسوله. قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .

وفي حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطًا، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: (هذه سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو / إليه) ، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} .

وقد ذكر الله تعالي في سورة الأنعام، والأعراف، وغيرهما ما ذم به المشركين حيث حرموا ما لم يحرمه الله ـ تعالى ـ كالبحيرة، والسائبة؛ واستحلوا ما حرمه الله كقتل أولادهم، وشرعوا دينا لم يأذن به الله، فقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ، ومنه أشياء هي محرمة جعلوها عبادات، كالشرك والفواحش، مثل الطواف بالبيت عراة وغير ذلك.

والكلام في الحلال والحرام له مواضع أخر.

والمقصود هنا العبادات فنقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت