زمرة المنكسرة قلوبهم الذين كسرت إرادتهم البشرية، وأزيلت شهواتهم الطبيعية واستوثقت لهم إرادات ربانية وشهوات إضافية. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حبب إلى من / دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) فأضيف ذلك إليه بعد أن خرج منه وزال عنه تحقيقًا لما أشرت إليه وتقدم، قال اللّه تعالى: (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي) وساق كلامه. وفيه: (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل) الحديث.
قلت: هذا المقام هو آخر ما يشير إليه الشيخ عبد القادر ـ رضي اللّه عنه ـ وحقيقته أنه لا يريد كون شيء إلا أن يكون مأمورًا بإرادته. فقوله: علامة فناء إرادتك بفعل اللّه أنك لا تريد مرادًا قط. أي لا تريد مرادًا لم تؤمر بإرادته، فأما ما أمرك اللّه ورسوله بإرادتك إياه، فإرادته إما واجب وإما مستحب، وترك إرادة هذا إما معصية وإما نقص.
وهذا الموضع يلتبس على كثير من السالكين، فيظنون أن الطريقة الكاملة ألا يكون للعبد إرادة أصلًا، وإن قول أبي يزيد: أريد ألا أريد ـ لما قيل له: ماذا تريد؟ ـ نقص وتناقض؛ لأنه قد أراد، ويحملون كلام المشائخ الذين يمدحون بترك الإرادة على ترك الإرادة مطلقًا، وهذا غلط منهم على الشيوخ المستقيمين، وإن كان من الشيوخ من يأمر بترك الإرادة مطلقًا، فإن هذا غلط ممن قاله، فإن ذلك ليس بمقدور ولا مأمور.
/فإن الحي لابد له من إرادة، فلا يمكن حيًا ألا تكون له إرادة، فإن الإرادة التي يحبها اللّه ورسوله ويأمر بها أمر إيجاب أو أمر استحباب لا يدعها إلا كافر أو فاسق أو عاص إن كانت واجبة، وإن كانت مستحبة كان تاركها تاركًا لما هو خير له.
واللّه ـ تعالى ـ قد وصف الأنبياء والصديقين بهذه الإرادة، فقال تعالى: javascript:openquran (5,52,52) { وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، وقال تعالى: javascript:openquran (91,19,19) { وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى. إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل: 19، 20] ، وقال تعالى: javascript:openquran (75,9,9) { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9] ، وقال تعالى: javascript:openquran (32,29,29) { وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 29] ، وقال تعالى: javascript:openquran (16,19,19) { وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] ، وقال تعالى: javascript:openquran (38,2,2) { فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ّ. أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2، 3] ، وقال تعالى: javascript:openquran (38,14,14) { قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: 14] ، وقال تعالى: javascript:openquran (3,36,36) { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] ، وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
ولا عبادة إلا بإرادة اللّه، ولما أمر به، وقال تعالى: javascript:openquran (1,112,112) { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [البقرة: 112] ، أي أخلص قصده للّه. وقال تعالى: javascript:openquran (97,5,5) { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، وإخلاص الدين له / هو إرادته وحده بالعبادة. وقال تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، وقال تعالى: javascript:openquran (1,165,165) { ِوَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] ، وقال تعالى: javascript:openquran (2,31,31) { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وكل محب فهو مريد، وقال الخليل ـ عليه السلام ـ: javascript:openquran (5,76,76) { لَا أُحِبُّ الْآفِلِينََ} [الأنعام: 76] ، ثم قال: javascript:openquran (5,79,79) { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 79] .
ومثل هذا كثير في القرآن؛ يأمر اللّه بإرادته، وإرادة ما يأمر به، وينهى عن إرادة غيره، وإرادة ما نهى عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) ، فهما إرادتان: إرادة يحبها اللّه ويرضاها، وإرادة لا يحبها اللّه ولا يرضاها، بل إما نهي عنها، وإما لم يأمر بها، ولا ينهي عنها والناس في الإرادة ثلاثة أقسام: