فهرس الكتاب
ثم إن الغي، إذا كان اسمًا لعمل الشر الذي يضر صاحبه، فإن عاقبة العمل أيضًا تسمى غيًا، كما أن عاقبة الخير تسمى رشدًا، كما / يسمى عاقبة الشر شرًا، وعاقبة الخير خيرًا، وعاقبة الحسنات حسنات، وعاقبة السيئات سيئات.
فالحسنات والسيئات، في كتاب اللّه يراد بها أعمال الخير وأعمال الشر، كما يراد بها النعم والمصائب والجزاء من جنس العمل، فمن عمل خيرًا وحسنات لقي خيرًا وحسنات، ومن عمل شرًا وسيئات لقي شرًا وسيئات. كذلك من عمل غيًا لقى غيًا، وترك الصلاة واتباع الشهوات غي يلقي صاحبه غيًا. فلهذا قال الزمخشري: كل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد. كما قيل:
فمن يلق خيرًا يحمد الناس أمره ** ومن يغو لا يعدم على الغي لائمًا
وقال الزجاج: جزاؤه غي، لقوله: {يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68] ، أي مجازات آثام. وفي الحديث المأثور: إن غيا واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها، وهذا تعبير عن ملاقات الشر، وقال سبحانه: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59] ، فإن الصلاة فيها إرادة وجه اللّه. كما قال تعالى: {وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، أي يصلون صلاة الفجر والعصر. والداعي يقصد ربه ويريده، فتكون القلوب في هذه الأشياء مريدة لربها محبة له.
/واتباع الشهوات: هو اتباع ما تشتهيه النفس، فإن الشهوات، جمع شهوة، والشهوة هي في الأصل مصدر، ويسمي المشتهي شهوة. تسمية للمفعول باسم المصدر. قال تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] فجعل التوبة في مقابلة اتباع الشهوات، فإنه يريد أن يتوب علينا، أي فاللّه يحب لنا ذلك ويرضاه ويأمر به، {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} وهم الغاوون {أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} يعدل بكم عن الصراط المستقيم إلى اتباع الشهوات عدولًا عظيمًا، فإن أصل الميل العدول، فلابد منه للذين يتبعون الشهوات، كما قال صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) رواه أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان.
فأخبر أنا لا نطيق الاستقامة أو ثوابها إذا استقمنا، وقال: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129] ، فقوله: كل الميل أي: يريد نهاية الميل، يريد الزيغ عن الطريق، والعدول عن سواء الصراط إلى نهاية الشر، بل إذا بليت بذلك فتوسط، وعد إلى الطريق بالتوبة.
كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ميل المؤمن كميل الفرس في آخيته يحول ثم يرجع إلى آخيته. كذلك المؤمن يحول ثم يرجع / إلى ربه) ، قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} إلى قوله: {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 133ـ 136] ، فلم يقل: لا يظلمون ولا يذنبون، بل قال: {إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 135] ، أي بذنب آخر غير الفاحشة، فعطف العام على الخاص. كما قال موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [القصص: 16] ، وقالت بلقيس: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [النمل: 44] ، وقال تعالي عمومًا عن أهل القرى المهلكة: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [هود: 101] ، فظلموا أنفسهم بارتكابهم ما نهوا عنه، وبعصيانهم لأنبيائهم، وبتركهم التوبة إلى ربهم.
وقوله تعالى: {ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135] ؛ ولهذا قال: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27] ، ثم قال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] . قال مجاهد وغيره: يتبعون الشهوات الزنا، وقال ابن زيد: هم أهل الباطل. وقال السدي: هم