الصفحة 724 من 1087

وقيل: المراد بالسنن هنا سنن أهل الحق والباطل، أي: يريد أن يبين لنا سنن هؤلاء وهؤلاء، فيهدي عباده المؤمنين إلى الحق، / ويضل آخرين، فإن الهدى والضلال إنما يكون بعد البيان. كما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] ، وقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] .

فتكون {سُنَنَ} [النساء: 26] ، متعلقًا بيبين يعني سنن أهل الباطل لا بيهدي، وأهل الحق متعلق بقوله: ويهديكم. وقال الزجاج: السنن الطرق، فالمعنى يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء وتابعيهم. وهذا أولى، لأنه قد يقدم فعلين فلا يجعل الأول هوالعامل وحده، بل العامل إما الثاني وحده. وإما الاثنان، كقوله: {آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96] .

أو إذا أريد هذا التقدير: يبين لكم سنن الذين من قبلكم، ويهديكم سننًا. فدل علي أنه يهدينا سننهم. والمراد بذلك سنن أهل الحق، بخلاف قوله: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} فإنه قال بعدها: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] ، فإنه أراد تعريف عقوبة الظالمين بالعيان، وهنا فأنزل علينا من القرآن ما يهدينا به سنن الذين من قبلنا، وهم الذين أنعم اللّه عليهم. وذكر ثلاثة أمور: التبيين، والهدى، والتوبة.

لأن الإنسان أولا يحتاج إلى معرفة الخير والشر، وما أمر به وما نهى عنه، ثم يحتاج بعد ذلك / إلى أن يهدي، فيقصد الحق ويعمل به دون الباطل. وهو سنن الأنبياء والصالحين. ثم لابد له بعد ذلك من الذنوب، فيريد أن يتطهر منها بالتوبة فهو محتاج إلى العلم والعمل به. وإلى التوبة مع ذلك. فلابد له من التقصير، أو الغفلة في سلوك تلك السنن التي هداه اللّه إليها. فيتوب منها بما وقع من تفريط في كل سنة من تلك السنن. وهذه السنن: تدخل فيها الواجبات والمستحبات، فلابد للسالك فيها من تقصير وغفلة، فيستغفر اللّه، ويتوب إليه. فإن العبد لو اجتهد مهما اجتهد لا يستطيع أن يقوم للّه بالحق الذي أوجبه عليه، فما يسعه إلا الاستغفار والتوبة عقيب كل طاعة.

وقد يقال: الهداية، هنا البيان والتعريف، أي: يعرفكم سنن الذين من قبلكم، من أهل السعادة والشقاوة؛ لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه، كما قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] ، قال علي وابن مسعود: سبيل الخير والشر. وعن ابن عباس: سبيل الهدى والضلال. وقال مجاهد: سبيل السعادة والشقاوة، أي فطرناه على ذلك، وعرفناه إياه، والجميع واحد. والنجدان الطريقان الواضحان، والنجد المرتفع من الأرض، فالمعنى ألم نعرفه طريق الخير والشر ونبينه له، كتبيين الطريقين العاليين، لكن الهدى والتبيين والتعريف في هذه الآية يشترك / فيه بنو آدم، ويعرفونه بعقولهم.

وأما طريق من تقدم من الأنبياء، فلا بد من إخبار اللّه تعالى عنها، كما قال: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود: 49] ، لكن يجاب عن هذا بأنه لو أريد هذا المعنى، لقال: يريد اللّه ليبين لكم سنن الذين من قبلكم، ولم يحتج أن يذكر الهدى، إذا كان المعنى واحدًا، فلما ذكر أنه يريد التبيين والهدي، علم أن هذا غير هذا، فالتبيين: التعريف والتعليم، والهدى: هو الأمر والنهي، وهو الدعاء إلى الخير. كما قال تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7] ، أي داع يدعوهم إلى الخير. كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ، أي تدعوهم إليه دعاء تعليم.

وهداه هنا يتعدى بنفسه، لأن التقدير: ويلزمكم سنن الذين من قبلكم، فلا تعدلوا عنها، وليس المراد هنا بالهدى الإلهام. كما في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} لكونه لو أراد ذلك لوقع، ولم يكن فينا ضال، بل هذه إرادة شرعية أمرية بمعنى المحبة والرضا، ولهذا قال الزجاج: يريد أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت