فهرس الكتاب
عمران: 186]، وقال يوسف: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] .
والمقصود هنا: أن ما ذكره القشيري عن النصر آبادي من أحسن الكلام حيث قال: من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل اللّه رضاه فيه، وكذلك قول الشيخ أبي سليمان: إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض؛ وذلك أن العبد إنما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، فإذا لم يحصل سخط، فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم اللّه له من الرزق، وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي: الرضا أفضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته، كلام حسن. لكن أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل.
وكذلك ما ذكره معلقًا قال: قال الشبلي بين يدي الجنيد: لاحول ولا قوة إلا باللّه. فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء. فإن هذا من أحسن الكلام. وكان الجنيد ـ رضي اللّه عنه ـ سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليمًا وتأديبًا وتقويمًا ـ وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة؛ لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعًا لا صبرًا. فالجنيد / أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالًا ينافى الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه.
وفيما ذكره آثار ضعيفة مثل ما ذكره معلقًا. قال: وقيل: قال موسى: (إلهي، دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. فقال: إنك لا تطيق ذلك، فخر موسى ساجدًا متضرعًا. فأوحى اللّه إليه: يابن عمران، رضائي في رضاك عني) ، فهذه الحكاية الإسرائيلية فيها نظر؛ فإنه قد يقال: لا يصلح أن يحكي مثلها عن موسى بن عمران. ومعلوم أن هذه الإسرائيليات ليس لها إسناد، ولا يقوم بها حجة في شيء من الدين، إلا إذا كانت منقولة لنا نقلًا صحيحًا، مثل ما ثبت عن نبينا أنه حدثنا به عن بني إسرائيل، ولكن منه ما يعلم كذبه مثل هذه؛ فإن موسى من أعظم أولي العزم، وأكابر المسلمين؛ فكيف يقال: إنه لا يطيق أن يعمل ما يرضى اللّه به عنه؟! واللّه تعالى راض عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. أفلا يرضى عن موسى بن عمران كليم الرحمن؟! وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البينة: 7، 8] ومعلوم أن موسى بن عمران ـ عليه السلام ـ من أفضل الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
/ثم إن اللّه خص موسى بمزية فوق الرضا، حيث قال: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] . ثم إن قوله له في الخطاب: يابن عمران، مخالف لماذكره اللّه من خطابه في القرآن حيث قال: يا موسى، وذلك الخطاب فيه نوع غض منه كما يظهر. ومثل ما ذكر أنه قيل: كتب عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ إلى أبي موسى الأشعري أما بعد: فإن الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر. فهذا الكلام كلام حسن. وإن لم يعلم إسناده.
وإذا تبين أن فيما ذكره مسندًا ومرسلًا ومعلقًا ما هو صحيح وغيره، فهذه الكلمة لم يذكرها عن أبي سليمان إلا مرسلة. وبمثل ذلك لا تثبت عن أبي سليمان باتفاق الناس؛ فإنه وإن قال بعض الناس: إن المرسل حجة، فهذا لم يعلم أن المرسل هو مثل الضعيف وغير الضعيف. فأما إذا عرف ذلك فلا يبقى حجة باتفاق العلماء. كمن علم أنه تارة يحفظ الإسناد وتارة يغلط فيه.
والكتب المسندة في أخبار هؤلاء المشائخ وكلامهم مثل كتاب"حلية الأولياء"لأبي نعيم، و"طبقات الصوفية"لأبي عبد الرحمن، و [صفوة الصفوة] لابن الجوزي. وأمثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ أبي سليمان. ألا ترى الذي رواه عنه مسندًا حيث قال: قال لأحمد بن