فهرس الكتاب
فأما العلم بمعاني ما أخبر به، ونحو ذلك، فيدخل فيها التفكير والتقدير كما جاء به الكتاب والسنة؛ ولهذا كان كثير من أرباب العبادة والتصوف يأمرون بملازمة الذكر، ويجعلون ذلك هو باب الوصول إلى الحق. وهذا حسن، إذا ضموا إليه تدبر القرآن والسنة واتباع ذلك، وكثير من أرباب النظر والكلام يأمرون بالتفكر والنظر، ويجعلون ذلك هو الطريق إلى معرفة الحق.
والنظر صحيح إذا كان في حق ودليل ـ كما تقدم ـ فكل من الطريقين فيها حق، لكن يحتاج إلى الحق الذي في الأخرى، ويجب تنزيه كل منهما عما دخل فيها من الباطل، وذلك كله باتباع ما جاء به المرسلون، وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع، وبينا طرق أهل العبادة والرياضة والذكر، وطريق أهل الكلام والنظر والاستدلال، وما في كل منهما من مقبول ومردود، وبينا ما جاءت به الرسالة من الطريق الكاملة الجامعة لكل حق، وليس هذا موضع بسط ذلك.
وإنما المقصود هنا أن الإنسان محس بأنه عالم، يجد ذلك ويعرفه بغير واسطة أحد، كما يحس بغير ذلك.
وحصول العلم في القلب كحصول الطعام في الجسم، فالجسم يحس بالطعام والشراب، وكذلك القلوب تحس بما يتنزل إليها من العلوم التي هي طعامها، وشرابها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته، وإن مأدبة الله هي القرآن) ، وكما قال تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} [الرعد: 17] ، وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) .
فضرب مثل الهدى والعلم الذي ينزل على القلوب بالماء الذي ينزل على الأرض.
وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب والمطر، فله ملائكة موكلة بالهدى والعلم، هذا رزق القلوب وقوتها، وهذا رزق الأجساد وقوتها، قال الحسن البصري في قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3، الأنفال: 3، الحج: 35، القصص: 54، السجدة: 16، الشورى: 38] ، قال: إن من أعظم النفقة نفقة العلم، أو نحو هذا الكلام. وفي أثر آخر: نعمت العطية، ونعمت الهدية، الكلمة من الخير يسمعها الرجل فيهديها إلى أخ له مسلم. وفي أثر آخر عن أبي الدرداء: ما تصدق عبد بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها إخوانا له مؤمنين، فيتفرقون وقد نفعهم الله بها. أو ما يشبه هذا الكلام.
وعن كعب بن عُجْرَة قال: ألا أهدي لك هدية؟ فذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وروى ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصدقة أن يتعلم الرجل علمًا، ثم يعلمه أخاه المسلم) . وقال معاذ بن جبل: عليكم بالعلم، فإن طلبه عبادة، وتعلمه لله حسنة، وبذله لأهله قربة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، والبحث عنه جهاد، ومذاكرته تسبيح.
ولهذا كان معلم الخير يستغفر له كل شىء، حتى الحيتان في البحر، والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير، لما في ذلك من عموم النفع لكل شىء. وعكسه كاتمو العلم، فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، قال طائفة من السلف: إذا كتم الناس العلم، فعمل بالمعاصي أحتبس القَطْرُ، فتقول البهائم: اللهم عصاة بني آدم، فإنا منعنا القَطْر بسبب ذنوبهم.
وإذا كان علم الإنسان بكونه عالمًا مرجعه إلى وجوده ذلك، وإحساسه في نفسه بذلك وهذا أمر موجود بالضرورة، لم يكن لهم أن يخبروا عما في نفوس الناس، بأنه ليس بعلم بغير حجة، فإن