فهرس الكتاب
وربما أنشد بعض أهل الكلام بيت مجنون بني عامر:
وكل يدعي وصلا لليلى ** وليلى لا تقر لهم بذاكا
فمن قال: من الشعر ما هو حكمة، أو تمثل ببيت من الشعر فيما تبين له أنه حق، كان قريبًا. أما إثبات الدعوى بمجرد كلام منظوم من شعر أو غيره، فيقال لصاحبه: ينبغي أن تبين أن السلف لا يقرون بمن انتحلتهم. وهذا ظاهر فيما ذكره هو وغيره، ممن يقولون عن السلف ما لم يقولوه، ولم ينقله عنهم أحد له معرفة بحالهم، وعدل فيما نقل، فإن الناقل لابد أن يكون عالمًا عدلًا.
فإن فرض أن أحدًا نقل مذهب السلف كما يذكره، فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف، كأبي المعالي، وأبي حامد الغزالي، وابن الخطيب وأمثالهم، ممن لم يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يعدون به من عوام أهل الصناعة، فضلًا عن خواصها، ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلمًا وأحاديثهما، إلا بالسماع، كما يذكر ذلك العامة، ولا يميزون بين الحديث الصحيح المتواتر عند أهل العلم بالحديث، وبين الحديث المفترى المكذوب، وكتبهم أصدق شاهد بذلك ففيها عجائب.
وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك، إما عند الموت وإما قبل الموت، والحكايات في هذا كثيرة معروفة.
هذا أبو الحسن الأشعري، نشأ في الاعتزال أربعين عامًا يناظر عليه، ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرد عليهم.
وهذا أبو حامد الغزالي ـ مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ـ ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة، ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث، وصنف [إلجام العوام عن علم الكلام] .
وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي، وكان يتمثل كثيرًا:
نهاية إقدام العقول عقال ** وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وهذا إمام الحرمين، ترك ما كان ينتحله ويقرره، واختار مذهب السلف. وكان يقول: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام! فلو أنى عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه. والآن: إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنذا أموت على عقيدة أمي ـ أو قال: عقيدة عجائز نيسابور.
وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني [-هو شيخ أهل الكلام والحكمة، برع في الفقه، وكان قوي الفهم، مليح الوعظ، صنف كتاب، نهاية الإقدام و كتاب الملل والنحل، وتوفي سنة 645 - ] : أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ** وسيرت طرفي بين تلك المعالم