الصفحة 81 من 1087

والمقامات، وليس هو من أولياء الله المتقين، بل من الجاهلين الظالمين المعتدين، أو المنافقين أو الكافرين.

وهذا كثير ملأ العالم، تجد كل قوم يدعون من الاختصاص بالأسرار والحقائق ما لا يدعى المرسلون، وأن ذلك عند خواصهم، وأن ذلك لا ينبغي أن يقابل إلا بالتسليم، ويحتجون لذلك بأحاديث موضوعة، وتفسيرات باطلة. مثل قولهم عن عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث هو وأبو بكر بحديث، وكنت كالزنجي بينهما، فيجعلون عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم وصديقه كالزنجي. وهو حاضر يسمع الكلام، ثم يدعي أحدهم أنه علم ذلك بما قذف في قلبه، ويدعي كل منهم أن ذلك هو ما يقوله من الزور والباطل، ولو ذكرت ما في هذا الباب من أصناف الدعاوي الباطلة لطال.

فمنهم من يجعل للشيخ قصائد يسميها [جنيب القرآن] ، ويكون وجده بها وفرحه بمضمونها أعظم من القرآن، و يكون فيها من الكذب والضلال أمور.

ومنهم من يجعل له قصائد في الاتحاد، وأنه خالق جميع الخلق، وأنه خلق السموات والأرض، وأنه يسجد له ويعبد.

ومنهم من يصف ربه في قصائده بما نقل في الموضوعات من أصناف التمثيل والتكييف والتجسيم، التي هي كذب مفترى وكفر صريح مثل: مواكلته ومشاربته، ومماشاته ومعانقته، ونزوله إلى الأرض وقعوده في بعض رياض الأرض، ونحو ذلك، ويجعل كل منهم ذلك من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة التي تكون لخواص أولياء الله المتقين.

ومن أمثلة ذلك: أنك تجد عند الرافضة والمتشيعة، ومن أخذ عنهم مِنْ دعوى علوم الأسرار، والحقائق، التي يدعون أخذها عن أهل البيت، إما من العلوم الدينية، وإما من علم الحوادث الكائنة، ما هو عندهم من أجل الأمور التي يجب التواصي بكتمانها، والإيمان بما لا يعلم حقيقته من ذلك، وجميعها كذب مختلق وإفك مفترى.

فإن هذه الطائفة [الرافضة] من أكثر الطوائف كذبًا وادعاء للعلم المكتوم؛ ولهذا انتسبت إليهم الباطنية والقرامطة.

وهؤلاء خرج أولهم في زمن أمير المؤمنين على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وصاروا يدعون أنه خص بأسرار من العلوم والوصية، حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه، فيخبرهم بانتفاء ذلك، ولما بلغه أن ذلك قد قيل، كان يخطب الناس وينفي ذلك عن نفسه.

وقد خرَّجَ أصحاب الصحيح كلام عليٍّ هذا من غير وجه، مثل ما في الصحيح عن أبي جُحَيْفَة قال: سألت عليا: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: (لا، والذي فلق الحبة وبَرَأ النَّسَمَة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما يعطيه الله الرجل في كتابه وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. ولفظ البخارى: هل عندكم شيء من الوحي غير ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلًا في القرآن) .

وفي الصحيحين عن إبراهيم التيمي عن أبيه ـ وهذا من أصح إسناد على وجه الأرض ـ عن علي قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور) ، وفي رواية لمسلم: خطبنا على بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا كتابًا نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ـ قال: وصحيفته معلقة في قراب سيفه ـ فقد كذب، فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات، وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المدينة حرام) الحديث.

وأما الكذب والأسرار التي يدعونها عن جعفر الصادق، فمن أكبر الأشياء كذبًا حتى يقال: ما كذب على أحد ما كذب على جعفر ـ رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت