الصفحة 90 من 1087

أنبياء صغار، وقد يجعلونهم صنفين. وليس هذا موضع شرح ذلك، فقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع.

وإنما الغرض أن هؤلاء الأساطين من الفلاسفة والمتكلمين، غاية /ما يقولون هذا القول، ونحن ذكرنا الأمر على وجه التقسيم العقلي الحاصر لئلا يخرج عنه قسم؛ ليتبين أن المخالف لعلماء الحديث علما وعملًا، إما جاهل، وإما منافق، والمنافق جاهل وزيادة، كما سنبينه ـ إن شاء الله ـ والجاهل هنا فيه شعبة نفاق، وإن كان لا يعلم بها فالمنكر لذلك جاهل منافق.

فقلنا: إن من زعم أنه وكبار طائفته أعلم من الرسل بالحقائق، وأحسن بيانًا لها، فهذا زنديق منافق إذا أظهر الإيمان بهم باتفاق المؤمنين، وسيجىء الكلام معه.

وإن قال: إن الرسل كانوا أعظم علمًا وبيانًا، لكن هذه الحقائق لا يمكن علمها، أو لا يمكن بيانها مطلقًا، أو يمكن الأمران للخاصة.

قلنا: فحينئذ لا يمكنكم أنتم ما عجزت عنه الرسل من العلم والبيان.

إن قلتم: لا يمكن علمها.

قلنا: فأنتم وأكابركم لايمكنكم علمها بطريق الأولى.

وإن قلتم: لا يمكنهم بيانها.

قلنا: فأنتم وأكابركم لا يمكنكم بيانها.

وإن قلتم: يمكن ذلك للخاصة دون العامة.

قلنا: فيمكن ذلك من الرسل للخاصة دون العامة.

/ فإن ادعوا أنه لم يكن في خاصة أصحاب الرسل من يمكنهم فهم ذلك، جعلوا السابقين الأولين دون المتأخرين في العلم والإيمان. وهذا من مقالات الزنادقة؛ لأنه قد جعل بعض الأمم الأوائل من اليونان والهند ونحوهم أكمل عقلًا وتحقيقًا للأمور الإلهية وللعبادية من هذه الأمة، فهذا من مقالات المنافقين الزنادقة؛ إذ المسلمون متفقون على أن هذه الأمة خير الأمم وأكملهم، وأن أكمل هذه الأمة وأفضلها هم سابقوها.

وإذا سلم ذلك، فأعلم الناس بالسابقين وأتبعهم لهم هم: أهل الحديث وأهل السنة؛ ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة ضلالة، والسنة عندنا: آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن، أي: دلالات على معناه.

ولهذا ذكر العلماء أن الرفض أساس الزندقة، وأن أول من ابتدع الرفض إنما كان منافقًا زنديقًا، وهو عبد الله بن سَبَأ؛ فإنه إذا قدح في السابقين الأولين فقد قدح في نقل الرسالة، أو في فهمها، أو في اتباعها. فالرافضة تقدح تارة في علمهم بها، وتارة في اتباعهم لها ـ وتحيل ذلك على أهل البيت وعلى المعصوم الذي ليس له وجود في الوجود.

والزنادقة من الفلاسفة والنصيرية وغيرهم، يقدحون تارة في النقل، وهو / قول جهالهم، وتارة يقدحون في فهم الرسالة، وهو قول حُذَّاقهم، كما يذهب إليه أكابر الفلاسفة والاتحادية ونحوهم، حتى كان التلمساني مرة مريضًا، فدخل عليه شخص ومعه بعض طلبة الحديث، فأخذ يتكلم على قاعدته في الفكر أنه حجاب، وأن الأمر مداره على الكشف، وغرضه كشف الوجود المطلق، فقال ذلك الطالب: فما معنى قول أم الدرداء: أفضل عمل أبي الدرداء التفكر؟ فتبرم بدخول مثل هذا عليه، وقال للذي جاء به: كيف يدخل عليَّ مثل هذا؟ ثم قال: أتدري يا بني ما مثل أبي الدرداء وأمثاله؟ مثلهم مثل أقوام سمعوا كلامًا وحفظوه لنا، حتى نكون نحن الذين نفهمه ونعرف مراد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت