أنفسهم أمام من اتهموهم بأنهم سبب الإضلال )) [1] فكان أن ورد الجواب من المعبودين مصدّرًا بتنزيهه، إذ {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَّتَّعْتَهُمْ وَءآبَاءَهمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ًا} [2] .
وهو جواب يلمح فيه معاني الإقرار [3] بوحدانية الله في ألوهيته، والتكذيب والتسفيه لعابديهم، والتبرؤ [4] عمن عبدهم من دون الله، إذ (( عينوا الاحتمال الثاني، وهو أن الكافرين هم الذين ضلّوا السبيل ) ) [5] ، أي أبعدوا ما نُسِب إِليهم ونفوه عن أنفسهم. وقد اختار التعبير القرآني ما يحقق ذلك، بأن ورد القول بصيغة الماضي: {قَالُوا} دون المضارع؛ (( للدلالة على تحقق التنزيه والتبرئة، وأنه حالهم في الدنيا. وقيل: للتنبيه على أن إجابتهم بهذا القول هو محل الاهتمام، فإنّ بها التبكيت والإلزام، فدّل بالصيغة على تحقّق وقوعها ) ) [6] .
وقولهم: {سُبْحَانكَ} كلمة تنزيه يكنّى بها عن التعجب عن قول عظيم، وقد أرادوا بها تعظيم الله سبحانه في مقام الاعتراف بتنزيهه عن مشاركة أحد له [7] .
ثم أكدوا التنزيه بالنفي العام [8] بقولهم: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} . فدخلت (كان) هنا على المنفي بقصد (( المبالغة في نفي الداخل عليه بتعديد جهة فعله عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار خصوصية المقال فهو نفي مرتين ) ) [9] . فضلا عن ورود (مِنْ) التي أفادت تأكيد النفي واستغراقه [10] على أبلغ وجه.
والفعل (نبغي) مطاوع (بغى) : إذا طلب الشيء. وهو كناية عن انتفاء طلبهم هذا الاتخاذ انتفاء شديدًا [11] .
وأما (مِنْ) في قولهم: {مِنْ دُونِكَ} فهي (( للابتداء؛ لأن اصل(دُونِ) أنه اسم للمكان، ويقدر مضاف محذوف يضاف إليه (دُونِ) نحو: جلست دون، أي: دون مكانه. فموقع (مِنْ) هنا موقع الحال من {أَوْلِيَاءَ} . وأصلها صفة لـ {أَوْلِيَاءَ} فلما قدّمت
(1) من إعجاز البيان في القرآن الاستفهام / 263.
(2) سورة الفرقان / 18.
(3) أسلوب السخرية في القرآن الكريم / 53.
(4) روح المعاني 18/ 249.
(5) من إعجاز البيان في القرآن الاستفهام / 275.
(6) روح المعاني 18/ 249.
(7) التحرير والتنوير 18/ 338.
(8) الجامع لأحكام القرآن 13/ 11.
(9) روح المعاني 4/ 85.
(10) روح المعاني 18/ 249.
(11) التحرير والتنوير 18/ 339.