الصفحة 280 من 342

ونحو هذا قوله عظم شأنه مصورًا دعاء موسى عليه السلام، الذي يلمح فيه الألم والاستسلام والشكوى والالتجاء [1] ، إلى الله تعالى من قومه المعاندين، إذ {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [2] فقد حصلت الاستجابة بتعبير خبري مؤكد مصدّر بالقول مسندًا إلى الله تعالى. وقوله {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ} هو الكلام المستجاب به، وقد وصل بتعبير الإجابة حرف العطف الفاء (( على وجه التسبيب ) ) [3] فالفاء - على هذا - سببية.

والضمير في (إنّها) راجع إلى الأرض المقدسة التي كتبها الله سبحانه لهم.

والحرام في اللغة: الممنوع [4] الذي (( لا يحلّ انتهاكه ) ) [5] ، وهو إما منع بتسخير إلهي أو بقهر. وقد حمل التحريم في الجواب على المعنيين [6] .

وقوله {يَتِيهُونَ} مشتق من التيه وهو (( المفازة التي يُتاه فيها ) ) [7] ، ويتحير [8] سالكيها، أي إنهم يسيرون في الأرض متحيرين ضالين لا يهتدون طريقا [9] . ويلحظ أنه (( يتركهم السياق هنا - في التيه - لا يزيد على ذلك، وهو موقف تجتمع فيه العبرة النفسية إلى الجمال الفني، على طريقة القرآن في التعبير ) ) [10] .

فهو جواب جامع لدعاء موسى عليه السلام. وقد حصل العقاب لهم على العصيان، انتصارًا لموسى عليه السلام. [11]

وأردف الجواب بتعبير ورد بأسلوب النهي معطوفا على الجواب بالفاء، وذلك قوله تعالى: {فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [12] ، وهو (( تفريع على الإخبار بهذا العقاب؛ لأنه علم

(1) في ظلال القرآن 2/ 871.

(2) سورة المائدة / 25 - 26.

(3) الكشاف 1/ 605.

(4) المفردات في غريب القرآن / 164 (حرم) .

(5) مختار الصحاح / 132 (حرم) .

(6) المفردات في غريب القرآن / 164 -165 (حرم) .

(7) الكشاف 1/ 605. وينظر لسان العرب 1/ 342 (تيه) .

(8) المفردات في غريب القرآن / 102 (التيه) .

(9) الكشاف 1/ 605.

(10) في ظلال القرآن 6/ 871.

(11) التحرير والتنوير 6/ 167.

(12) سورة المائدة / 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت