هل تحرك ذلك الموكب من ذوي الرداء الأبيض الناصع بين المشاعر شامة تزين الأرض، يباهي بها الرحمن ملائكته، حجيجًا مترابطي القلوب، مسلمين على منهج الله؟، هل بدت حِكمُ الحج العظيمة وآثاره الجليلة متحركة مع ذلك الموكب، تنطق بها جوارح الحجيج وتبدو شاخصة في مناسكهم؟ هل ذابت الفوارق النفسية بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، وذهبت مع ثياب الحِل، وبدت النفوس صافية حانية متآلفة لا يقل صفاؤها عن صفاء ثياب الإحرام؟.
الحقيقة: إن اجتماع ذلك الكم الهائل من المسلمين على ذلك الصعيد الطاهر، وإن بدت زيادة عدده ملمحًا إيجابيًّا من ملامح الصحوة وزادت فيه مساحات الالتزام الصحيح أثرًا من آثارها، إلا إن مساحات كبيرة منه تجيب سلبًا عما سلف من تساؤلات، وذلك لأسباب، منها:
-أن كثيرًا من المسلمين بعيدون عن الأسس العقدية الصحيحة، وهذا انحراف جلي عن صراط الله المستقيم ومخالفة للهدي النبوي القويم الذي حذر من الشرك الخفي والأصغر، فضلًا عن الأكبر، مما يلزم معه أهمية التوعية بالتوحيد لله وإخلاص العبودية له (جل وعلا) .
ومما يؤسف له، التقصير الملموس لدى بعض العلماء وسكوتهم المريب عن تلك المظاهر الشركية، وهم المؤتمنون على رسالة البلاغ المبين، فإلى الله المشتكى!.
-أن تلك العبادة أصبحت لدى كثير من المسلمين مجرد رحلات سياحية، تكاد تكون خالية من روحها الإيمانية، بل صارت مجالًا للتفاخر والمباهاة، وكأن الهدف أن يحلي أحدهم اسمه بالحاج فلان، وإذا لم يذكر اعتبر ذلك إهانة له.