من أبنائها الإخلاص لها ، وتصدَّر جل شؤونها صنائع الأعداء من أبنائها ، فتعمقت
لذلك التبعية وكثرت حالات تقلبها في أحضان الشرق والغرب بحسب اختلاف
الظروف وتبدل موازين القوى .
وأخطر ما في الأمر أن أصبح آخر ما يفكر به جلُّ الملأ في أمتنا - إن كانوا
يفكرون - هو المحافظة على هوية الأمة وتحقيق مصالحها نتيجة فساد الطويَّة
وتسابق القوم في إرضاء أسيادهم: نشرًا لأفكارهم وممارسة لسلوكياتهم وخدمة
لمصالحهم ؛ طمعًا في استمرار التصدُّر ونيل المزيد من المآرب .
ومن الإنصاف إثبات وجود طائفة تحمل هوية الأمة ، وتمتلك إخلاصًا لها
واعتزازًا بالانتساب إليها ، وثقة بقدرتها على النهوض من كبوتها وتجاوز تخلفها
متى استمسكت بدينها وأخذت بسنن الله تعالى في النصر والتمكين ، ولكن الذي
يعيب جلَّ أفراد هذه الطائفة أحد أمرين:
الأول: احتقار الذات وعدم ثقة الفرد بقدراته بصورة جعلت منه غاية في
السلبية ؛ مما أفقده الحماس الدافع لعمل ما يفيد الأمة ويكون سببًا في رقيها وتجاوز
كبوتها .
الثاني: عدم قدرة كثير من المتحمسين لنهوض الأمة على تحويل حماسهم
والأفكار التي تختلج في صدورهم إلى أعمال مثمرة نتيجة ضعف المعرفة بمقومات
النهوض ، أو عدم امتلاك المهارات اللازمة لتحقيقها .
وأيًا كانت طبيعة الاختلاف بين فصائل هذه الطائفة وموقف الشرع منها ؛ فإن
المؤدى واحد في مجال حديثنا وهو عدم قيام الجميع بالشيء المأمول منهم لرقي
الأمة ونهضتها .
وباختصار: فأمتنا بعد أن هجرت دينها وابتعدت عن هدي ربها نراها قانعة
بالقبوع في ذيل الأمم ، وما من جانب من جوانب الحياة تأملتَهُ إلا رأيتَ أن تخلفها
فيه قد بلغ الغاية أو قاربها .
هذا عن الانحطاط والتخلف ، أما الفرقة فلا يُعرف عصر من العصور بلغ
فيه الرابط الشرعي بين أفراد الأمة وشعوبها ما بلغه الآن من التفكك والضعف .
ومع المعرفة الأكيدة بأن السبب الرئيسي لذلك التمزق يعود إلى الأمة نفسها مصداقًا