فهرس الكتاب
بهذه السفسطات والتمويهات يريد السريحي وطابور الحداثة من ورائه أن يقنعونا بمغالطات كثيرة، منها على سبيل المثال: أن الشعر والشاعر أزليان، أي لا أول لهما، بل هما قبل كل شيء, وهذه ـ كما نعلم ـ مما اختص به رب العالمين . ومنها أن البشرية كان يقود ركبها في البداية كاهن وساحر وشاعر، ونحن نعلم أن البشرية في بدايتها قادها وحي رب العالمين، بل ذلك من المقطوع به في القرآن والسنة.
ثم يؤكد من طرف خفي أن الشاعر هو الذي كان يسمي الأشياء، أي أنه هو واضع اللغة، ولذلك فإن من حقه أن يستمر في وضع اللغة، وكل كلمة يقولها الشاعر فهي وضع لغوي جديد بدون النظر لسابق هذا اللفظ في اللغة من عدمها .
ومستنده في كل هذه الأحكام الجزافية التي يريد فيها أن يعيدنا إلى عصر السحر والكهانة، هو أستاذه في المعرفة (كانت) الذي ثار على الغيبيات القديمة وعلى العقل وكل ما يمت له بصلة، وتصل صراحة السريحي مداها في المطالبة بإلغاء اللغة حين يقول في صفحة 29 من الكتاب:"ومن هنا فإن علينا أن ندرك أن أول خطوة نخطوها نحو العلم المغلق للقصيدة الجديدة، هو أن نبرأ من هذا التصور اللغوي القديم، بحيث يكون وقوفنا أمام الشعر وقوفًا أمام لغة الشعر نفسها".
إذًا فهم يسعون من خلال الغموض إلى إنشاء وإيجاد واقع فكري جديد، منفصل ومقطوع عن واقع الأمة الفكري وماضيها العلمي والعقلي والأدبي، في الشكل والمضمون، بالإضافة إلى أن غموضهم فيه من الرموز الوثنية والإشارات الإلحادية ما يفك طلاسم تلك الرموز أمام الباحث, ويحدد له وجهة أهلها وغايتهم في الحياة .