الصفحة 44 من 120

هل رأيت أيها القارئ أن طنطنتهم بأن اختلافهم مع غيرهم إنما هو في أشكال التعبير, إنها مجرد كلام فارغ ومخدر مؤقت، وأن السريحي يؤكد أن هذا الاختلاف لا يأتي إلا في الأخير، أما الاختلاف الأول مع المجتمع والمروق على أعرافه فيجب أن يكون في الرؤيا، بل إن السريحي يؤكد أن الفنان المبدع لا يستحق ذلك الاسم حتى يخرج عل المألوف ويحارب المعروف، ويعلن أن المجتمع ـ أيًا كان هذا المجتمع ـ يجب أن يتبعه أينما سار .

يقول السريحي:"من شأن البعد الإنساني الحر الذي تتسم به رؤيا الفنان أن يجعل انفصاله عن الجماعة أمرًا قدريا لا مندوحة له عنه، وإن آمن في ظاهر الأمر أو باطنه بكل أعرافها، وخضع لكل تقاليدها في حياته العامة".

ولا يكتفي السريحي بالتأكيد على أن الأدب يجب ـ حتى يستحق منه شهادة بأنه أدب - أن يخرج عن إطار المجتمع العام وأعرافه وقيمه، بل يؤكد ـ وهو الناقد الكبير كما يسمونه ـ في صفحة 78 من كتابه, أن الوعي الجيد يجب أن يتجرد من المقومات العقلية، وذلك في قوله:"وهذا يعني ثناء إزاء وعي جديد يتجرد من المقومات العقلية للوعي".

وهذا يعني أنه لا يكفي أن تُغطى قيمنا وديننا وأخلاقنا وأصولنا إجازة، بل لا بد أيضًا أن نلغي عقولنا ونمنحها إجازة، وربما كان ذلك عطفا ورأفة من السريحي علينا حتى لا تصاب رؤوسنا بالصداع والدوار من بلائهم وغثائهم، وحتى يستطيع أن يدخل فلسفة هيجل في عقول أجيالنا والتي استشهد بها في صفحة 39, حين قال:"إن الرؤيا الإبداعية هي تحرر الروح من أسار الضرورة، وانطلاقها وراء حدود الإمكان، وتشوقها نحو المثالي، وسعيها باتجاه المطلق، وذلك هو جوهر الفن كما يراه رائد الجدلية المثالية هيجل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت