الصفحة 47 من 62

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، وكان يُهدي للنبي - صلى الله عليه وسلم - الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يخرج، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه" (1) ، قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحبه، وكان دميمًا (2) ، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، وهو لا يبصره، فقال:"أَرْسِلني! مَنْ هذا؟"، فالتفت فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عرفه، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من يشتري العبد؟"، فقال:"يا رسول الله إذًا والله تجدني كاسدًا" (3) ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لكن عند الله لست بكاسد"أو قال:"لكن عند الله أنت غالٍ" (4) . وفيه مواساة الفقراء، وعدم الالتفات إلى صور الناس لأن العبرة بالقلوب والأعمال.

وهكذا تَعَلَّم منه الأصحابُ رضي الله عنهم، الذين هم أولوا الألباب: فعن عبد الله بن شقيق قال: (كان رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عاملًا بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، وهو شَعِثُ(5) الرأس مُشْعان (6) ، قال: ما لى أراك مُشْعَانًا وأنت أمير؟! قال: كان ينهانا عن الِإرفاه، قلنا: ما الِإرفاه؟ قال:"الترجُّل كل يوم") (7) .

وفي طريق أخرى عن يزيد بن هارون عن الجريري عن عبد الله بن بريدة:

(1) أي أننا نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات، ونحن حاضرو المدينة وُنِعدُّ له ما يحتاج إليه في باديته من البلد.

(2) الدميم: قبيح الوجه.

(3) كاسدًا: من الكساد، وهو العطل والبوار.

(4) أخرجه الِإمام أحمد (3/ 161) ، والبغوي (13/ 181) ، والترمذي في"الشمائل" (239) وغيرهما، وصححه الحافظ في"الِإصابة" (1/ 542) .

(5) أي: متفرِّق الشعر.

(6) هو منتفش الشعر، ثائر الرأس.

(7) رواه النسائي، وصححه الألباني في"الصحيحة" (503) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت