الصفحة 13 من 33

الإسلامي، فليقرأ الذين أعماهم الإعجاب بثقافة الغرب في الناحية السياسية ما في هذا الدين العظيم من تأسيس مبادئ الإصلاح السياسي للمجتمع قبل أن يعرفه العالم بأسره بقرون متطاولة، بل نجزم بأن ما لدى غير المسلمين من مبادئ السياسة الصحيحة في إصلاح الراعي والرعية، إنما أخذ من المسلمين بعد احتكاك أوروبا بالثقافة الإسلامية.

ولا ريب أن في التاريخ نماذج كثيرة غير أننا نكتفي بهذا المثال، ولا ريب أن جميع الوسائل العصرية - حتى لو كانت مقتبسة في الأصل من غير المسلمين - إذا لم تكن محرمة لذاتها وصارت وسيلة لتحقيق مبدأ محاسبة أهل الحل والعقد للحاكم، لضمان عدم انحراف السلطة، إنها مشروعة ومطلوبة في الفقه الإسلامي السياسي.

ولعل الشريعة قد أومأت إلى هذا المبدأ النافع العظيم، في فقه الصلاة نفسها، والتي هي عمود هذا الدين، ومعلوم أن الصلاة نموذج يشير إلى علاقة السلطة بالرعية، وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذه العلاقة عندما قالوا عن الصديق (اختاره النبي صلى الله عليه وسلم لِدِيِنِنَا أفلا نختاره لدنيانا) وقد ذكر غير واحد من العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى تولية الصديق الخلافة، بتأكيد على توليته إمامة الصلاة، وذلك من باب القياس والاعتبار.

ثم انك إذا اعتبرت ذلك فقها، علمت ما أوتيه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من الفقه العميق، والنظر الدقيق، وبيانه أننا وجدنا الإمام في الصلاة، يليه أولو الأحلام والنهى كما قد صح في الحديث، وهم بإزاء أهل الحل والعقد في النظام السياسي.

وعلى المأمومون أن يختاروا لإمامتهم أقومهم بأمر الصلاة كما صح في الأحاديث، وكذلك الأمة تختار للإمامة العظمى أقومها بها بصيرة في الدين وقوة في سياسة الدنيا به، كما قال تعالى (أُوْلِى الأَيْدِي وَالأَبْصَار) .

ثم الإمام مقيد بأداء الصلاة كما في الشرع، ليس له أن يتجاوز ذلك، وكذلك الإمام في النظام السياسي مقيد بممارسة مهامه وفق الشريعة ليس له أن يتجاوز ذلك، فإذا بدر من الإمام خطأ في الصلاة نُبِّه على ذلك - علنًا لا سرًا - ممن يليه وهو مقصود اختيارهم لهذا الموضع، وذلك لأن الخطأ هنا يتعدى لغيره وليس قاصرًا على نفسه حتى يسر إليه بالنصيحة، وكذلك في النظام السياسي، يوضع أهل الحل والعقد وراء الإمام لينبهوه إذا أخطأ، فإن فعل ما يقتضي بطلان الصلاة عامدًا فارقه المصلون إذ قد بطلت صلاته، وكذلك في النظام السياسي إن أبطل الشريعة (دستور الدولة الإسلامية) .

فهذا بازاء هذا، وذاك بإزاء ذلك، (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) ، فتدير عظمة هذا الدين والله الموفق.

الوسيلة الثانية: حرية الكلمة والتعبير عن الرأي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت