الصفحة 12 من 33

علمًا بأن الأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر أصلًا، يبدو لي أنه ليس مقصود (سلمان) رضي الله عنه إباحة التمرد على السلطة، وشق وحدة الأمة بسبب أدنى مخالفة، بل مقصوده - والله أعلم - الإيماء إلى حقيقة أن الإخلال بالمبادئ من قبل الحاكم سيؤدي إلى إخلال الرعية بالطاعة وهذه قاعدة لا تتخلف قدرًا أيضًا، وذلك من الميزان الذي وضعه الله تعالى وأنزل به الكتاب، وهذا من عظيم الفقه الذي تميز به سلف هذه الأمة حيث كانوا يعبرون عن المعاني والمفاهيم الكبيرة العظيمة بأوجز الألفاظ أو بالمواقف أحيانًا، وكما قال ذلك الصحابي الجليل لعمر رضي الله عنه لما تعجب من تبليغ المسلمين الأموال العظيمة القدر من الغنائم غير منقوصة بريئة من الخيانة، فقال له تقريرًا للقاعدة السالفة: (عففت يا أمير المؤمنين فعفت الرعية) .

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولهذا كان أولوا الأمر هم العلماء والأمراء إذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس، ولما سألت الأحمسية أبا بكر الصديق ما بقاؤنا على هذه الأمر، قال: ما استاقمت لكم أئمتكم) انتهى، وإنما تعني بـ (الأمر) استقامة الحال وصلاح الأحوال واجتماع الشمل وانتشار العدل خلاف ما كانوا عليه في الجاهلية، فبين لها أن ذلك مرهون باستقامة ولاة الأمر، ولهذا قال من قال من العلماء لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان، لأن في صلاحه صلاح الناس، كما قيل (الناس على دين ملوكها) ، وهو أمر معلوم بضرورة العقل وشهادة الواقع والحس، ومن الخطأ الشائع الظن أن فساد السلطة نتيجة لفساد الرعية، والعكس أولى بالصواب، غير أن الرعية تعاقب على سكوتها عن ظلم السلطان، ورضاها به، باستدامة ذلك الظلم عليهم جزاء وفاقًا، ولا يظلم ربك أحدًا.

ذلك أن السكوت على ظلم الظالم من أعظم أسباب عقوبة الله تعالى، وقد ورد فيه حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعًا (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم (رواه الترمذي وفيه أيضًا حديث الصديق رضي الله عنه مرفوعًا(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) رواه أبو داود والترمذي.

ولهذا ورد في السنة كما في صحيح مسلم أن من الخِلال الحسنة في الروم كونهم أمنع الناس لظلم الملوك، ولما كانت هذه الخُلة الجميلة فيهم، لا يكاد يسلط عليهم ظالم من أنفسهم يستبيحهم كما يحدث عند غيرهم.

كما أن مقصود (سلمان) رضي الله عنه أيضًا - والله أعلم - الإشارة إلى أن من حق أهل الحل والعقد محاسبة الحاكم ومراقبته على نفقاته ودخله، وهو ما يسمى هذه الأيام (الوضع المالي للدولة الذي يشرف عليه ديوان المحاسبة) ، ولم يعرف التاريخ في ذلك الوقت، ولا بعده بقرون مديدة، مثل هذا الوعي السياسي إلا في الفقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت