فهرس الكتاب
الصحيح في الشريعة الإسلامية، وقد مارسها علماء الإسلام قبل النظم الوضعية بقرون.
غير أن الفقه الإسلامي في نصوصه العامة ومصادره الأصلية - في عامة القضايا المتعلقة بتنظيم الحياة المتغيرة والمتطورة -يوجه نحو المعاني والحقائق العامة، ويحرك عوامل التفكر والتدبر، ويدع للإنسان التفريع على القواعد، حتى يتسنى استيعاب المتغير، وذلك بخلاف القضايا الثابتة المتعلقة بالعبادات مثلًا، وهو أيضًا في تلك القضايا الحياتية يربط القانون الإسلامي - وأعني به القواعد الشرعية والأصول العامة - يربطه بأسماء خاصة لها دلالة واضحة على البعد الإيماني بالآخرة، على سبيل المثال اسم الحسبة واسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، لان الفقه الإسلامي يضع عند وضع القوانين الحياة نصب عينيه توجيهها نحو حفظ المبدأ العام في الإسلام وهو أن تكون قضية الإيمان بالله والآخرة أعظم قضية أمام الإنسان ومن هنا فإن الذين يتجاوزون هذه النقطة عند المقارنة بين القوانين الإسلامية والوضعية يفقدون نقطة في غاية الأهمية في منهجية بحث المقارنة نفسه.
وسائل تقييد السلطة في الفقه الإسلامي على أساس مبدأ الحسبة:
وسوف نستعرض بعض الأدلة والنماذج من التاريخ للتأكيد على أن الفقه الإسلامي، وضع أصول ووسائل تقييد السلطة والحسبة عليها قبل أن تعرفها النظم الوضعية بقرون.
وسأذكر على سبيل المثال أربع وسائل:
الوسيلة الأولى: وسيلة محاسبة أهل العقد والحل للحاكم:
ومن ذلك ما ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين (أن عمر رضي الله عنه وقف في الناس وعليه ثوبان فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان الفارسي: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبدالله؟، قال: إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا وعليك ثوبان، فقال لا تعجل، يا عبدالله، يا عبدالله، فلم يجبه أحد، فقال يا عبدالله بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين , فقال: نشدتك الله الثوب ائتزرت به أهو ثوبك، قال: نعم، اللهم نعم، فقال سلمان: أما الآن فقل نسمع) (2/ 180) .
ويبدو لي - بغض النظر عن مدى صحة إسناد هذه القصة حيث لا أعلم درجته من حيث الرواية - لكن استئناسًا بنقل العلماء لهذه القصة مقرين لها مستدلين بها على مبدأ محاسبة الحاكم مما يدل على سلامة المبدأ من حيث الجملة