فهرس الكتاب
المعيشية وقدرتها على زيادة هامش التحكم في المجتمع وزيادة توسيع صلاحياته المركزة وإخضاعه من فوقه بشتى أنواع الإخضاع، كل هذا يقتضي بالضرورة العقلية والواقعية عدم ترك السلطة التي هذا شأنها بلا قيود، لأن سوء استعمال السلطة والحالة هذه يؤدي إلى كوارث شاملة ماحقة قد تصل إلى تقويض المجتمع وزواله، أو تغير جذري في تاريخه، وكم من أمم ودول زالت وصارت تاريخًا، بسبب الاستبداد وترك السلطة بلا قيود.
ومن يستقرأ تاريخ الأمم يلحظ بوضوح تلك النقطة البارزة التي كانت وراء الدمار الهائل الذي أصابها في كثير من الأحيان، وهي نقطة استبداد الدولة، ومن الأمثلة القريبة النظام الفاشستي الذي تولى كبره موسوليني، وعرفه بقوله: (إن المفهوم الفاشستي للدولة مفهوم شامل، وخارج نطاقه لا وجود لقيم إنسانية أو روحية، ولا لأي قيمة أخرى، كثر ذلك أو قل، وبالنسبة للفاشستية الدولة مطلقة، والأفراد والمجموعات لا يقبل بهم إلا بقدر ما يتصرفون وفق ما تريده الدولة) ، وقد اعتبر هذا التفسير الرسمي للفاشستية بمثابة ميثاق عام للشيوعية، ولا يخفى أن الإنسان لم يكن له أي اعتبار، ولا لأي قيم روحية أخرى في الأنظمة الاستبدادية التي عملت بهذا المفهوم سواء في بلادنا العربية وغيرها، وإهدار قيمة الإنسان وحقوقه يعد في حد ذاته، كارثة لا تدانيها أية كارثة.
ومن الأمثلة على ذلك أيضًا ما لقيته الشعوب الروسية من فرض التجربة الماركسية فرضًا باستبداد الدولة حتى قال: (يلتسن) رئيس روسيا الحالي، واصفًا ما لقيه شعبه (إن بلادنا ليست محظوظة، فقد فرض علينا تنفيذ التجربة الماركسية والقدر هو الذي دفع بنا في هذا الاتجاه، وبدلًا من أن تتم هذه التجربة على دولة ما في أفريقيا مثلًا فقد بدأوا بنا، وفي النهاية استطعنا إثبات أنه لا مكان لهذه الفكرة، ولكن بعد أن دفعت بنا بعيدًا عن مسار الدول المتحضرة في العالم، وينعكس علينا هذه اليوم حيث أن 40 / من الشعب يعيش تحت خط الفقر، فضلًا عن الإهانة المستمرة التي تلحق به وهو يستخدم البطاقات للحصول على احتياجاته، إنها إهانة مستمرة تذكر المواطن في كل وقت بأنه مجرد عبد في هذه الدولة) .
ومعلوم أن الإسلام قد جاء بتحصيل المنافع والمصالح، منافع ومصالح الناس في دينهم ودنياهم بحسب الاستطاعة، وإلغاء وتفويت المضار والمفاسد في الدين والدنيا بحسب الاستطاعة، فلا يمكن أن يكون هناك شأن من الشئون، الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، في حال تفردهم واجتماعهم، وإلا ويأتي في الإسلام الأمر به والحث عليه، ولهذا فقد سبق الفقه الإسلامي جميع النظم الوضعية في تقرير هذا المبدأ، مبدأ تقييد السلطة، ورقابة الشعب للدولة، هو حسبة الرعية على الدولة.
وفي هذا الإطار، نجد جميع الآلات والوسائل التي تستخدمها النظم الحديثة لتحقيق هذا الأمر المهم، وضمان عدم انحراف الدولة عن مقصودها الأساسي - وهو إدارة وتنظيم أحوال الرعية بحيث تتحقق مصالحهم بحسب نظام الشريعة الإسلامية المطهرة - نجدها منصوص عليها أو مدلول عليها بالأدلة العامة أو القواعد الكلية أو القياس المطرد