فهرس الكتاب
وبناء على المفهوم الشرعي للحسبة والذي ذكرناه سابقًا، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: حسبة الدولة على الرعية:
ومقتضاها أن يكون ضمن مؤسسات الدولة ما يكون اختصاصه حفظ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة، ومراقبة حالة المجتمع ومدى تمثل مبادئ الإسلام فيه، وقد قدمنا آنفًا، أن نظام الدولة في حد ذاته في الشريعة الإسلامية، وسيلة لتحقيق هذا الأمر بمعناه العام.
النوع الثاني: حسبة الرعية على الدولة:
ولم نقل هنا حسبة الدولة على الدولة، لأن الحسبة الذاتية لا يمكن الاعتماد عليها في مثل هذه الحالة التي يتعلق بها مصير الأمة والمجتمع، فلهذا أقامت الشريعة الإسلامية هنا مبدأ الحسبة على الدولة منطلقًا من الأمة، وحملتها مسؤولية تقييد السلطة بقيد هو احترام الدستور (الشريعة الإسلامية) وتقويم الدولة إذا انحرفت عنه.
تقييد السلطة ضرورة اجتماعية وفريضة شرعية:
وتقييد السلطة في الإسلام ضرورة اجتماعية، وذلك انطلاقًا من حقيقتين اثنتين:
الأولى: أن تولي السلطة واحتكار أدوات القوة والقدرة على استعمال العنف مدعاة إلى الاستبداد ضرورة انقياد الطبيعة البشرية لحب التسلط المركوز فيها، وهذه الطبيعة وإن كانت يمكن معارضتها بالوازع الذاتي، غير أنه محجوب في طي القلوب، ولا يمكن ضمانه أو ضمان استمراره، فضلًا عن أن باب ارتكاب المحظورات بالتأويل مفتاحه الاستبداد بالرأي، وهو ملاصق للسلطة المطلقة من القيود، وهذا الباب قد دخل منه من ظن فيه الاستقامة والمثالية وقوة الوازع الذاتي الذي يفترض أن يمنع من سوء استعمال السلطة إلى ارتكاب عظائم من التعسف في استعمال السلطة باسم الدين، فإذن تقييد السلطة والحسبة بمعنى الرقابة والمحاسبة الشعبية للسلطة ضرورة اجتماعية.
الثانية: أن تضخم أجهزة الدولة في العصر الحديث وتشعبها إلى مختلف أنشطة الحياة وتملكها إلى جانب استعمال أدوات العنف (الشرطة، الأمن، الجيش، أجهزة الاستخبارات. . إلخ) ، أدوات تمكنها من تشكيل العقول وصياغتها وخداعها (الإعلام، التعليم. . إلخ) وأدوات التحكم في الإنتاج والاقتصاد ومستوى حياة الأفراد