الصفحة 15 من 33

طين فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم، قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم، ثلاث مرات ثم انصرف) رواه مسلم، وروى أيضًا عنه قال: (إن أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده .. الحديث) وفي هذين الحديثين أن أبا سعيد أنكر على الوالي وكذلك أنكر ذلك الرجل علنًا، قال النووي):أو أنه خاف وخاطر بنفسه وذلك جائز بل متسحب، ويحتمل أن أبا سعيد هَمَّ بالإنكار فبادره الرجل فعضده أبو سعيد) وقال: (وأما قوله فقد قضى ما عليه ففيه تصريح بالإنكار أيضًا من أبي سعيد) (شرح مسلم 2/ 22) .

وقال الإمام عبدالرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص201: (والمقصود أنه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثارًا لإقامة حق الله سبحانه على بقائهم واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مُهَجهم واستسلامًا للشهادة إن حصلت لهم) وقال: (يجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لأمره ونهيه تأثير في رفع المنكر أو كسر جاه الفاسق أو تقوية قلوب أهل الدين) .

ومما ذكر في التاريخ أيضًا في هذا الباب ما ذكره ابن عبدالهادي في العقود الدرية في مناقب ابن تيمية من جملة أشياء تدل على استعماله هذا المبدأ في الحسبة على الدولة، من ذلك موقفه مع السلطان محمد بن الناصر قلاوون في أول مجلس له بعد رجوع الحكم إليه في محضر أعيان العلماء والكبراء والشيوخ والقضاة والأمراء، وعرض على السلطان طلب من النصارى بدفع مال زيادة على ما كانوا يدفعون ليؤذن لهم بالعودة إلى ما كانوا يلبسون مثل المسلمين، فسكت الحاضرون، فجثا الشيخ على ركبتيه وقال للسلطان: (لا تفعل وإني أعيذك أن يكون أول مراسيمك - في أول مجلس لك بعد أن عاد الله إليك الملك ونصرك على عدوك - أن تنصر فيه الكفار وتعزهم من أجل الدنيا الفانية) (1/ 281) .

ومن ذلك ما ذكره الذهبي في ترجمة أبي بكر النابلسي: (قال أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عبيد، وصلبوه على السنة، سمعت الدارقطني يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يسلخ:(كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) قال أبو الفرج بن الجوزي: أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي، وكان ينزل الأكواخ فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم، وجب أن يرمي في الروم سهمًا، وفينا تسعة، قال: ما قلت هذا، بل قلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت