فهرس الكتاب
: إذا كان معه عشرة أسهم، وحب أن يرميكم بتسعة، و، ن يرمي العاشر فيكم، أيضًا، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم الإلهية، فشهره ثم ضربه، ثم أمر يهوديًا فسلخه وقيل. سلخ من مفرق رأسه حتى بلغ الوجه، فكان يذكر الله، ويصبر حتى بلغ الصدر، فرحمه السلاخ فوكزه بالسكين في موضع قلبه فقضى عليه) (سير أعلام النبلاء 16/ 148) .
ومن ذلك أيضًا ما رواه ابن الجوزي في المنتظم عن الإمام أحمد بن بديل الكوفي وكان قاضيًا قال: (بعث إلي المعتز رسولًا بعد رسول فلبست عمتي ولبست نعلا طاقًا، فأتيت بابه فقال الحاجب: يا شيخ، نعليك! فلم ألتفت إليه ودخلت الباب الثاني فقال الحاجب نعليك! فلم ألتفت إليه فدخلت الباب الثالث، فقال الحاجب: يا شيخ نعليك! فلم ألتفت إليه ثم قلت: أبا لوادي المقدس أنا فأخلع نعلي؟ فدخلت بنعلي، فرفع المجلس وجلست على مصلاه، فقال أتعبناك أبا جعفر؟ فقلت: أتعبتني وذعرتني، فقال: ما أردنا إلا الخير، أردنا أن نسمع العلم، قلت: ألا جئتني؟ فإن العلم يؤتى ولا يأتي، قال نعتب أبا جعفر، فقلت: خلبتني بحسن أدبك أكتب ما شئت، فأخذ الكتاب والدواة والقرطاس، فقلت: أتكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرطاس بمداد؟ قال: فيم أكتب؟ قلت: في رق بحبر، فأخذ الكتاب يريد أن يكتب، فأمليت عليه حديثين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة، والثاني: ما من أمير يأمر عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا) (12/ 140) .
وبالجملة فالأمثلة كثيرة، وهى وإن كان بعضها لم تجتمع فيه شروط الصحة من جهة الإسناد، غير أنه مما لم يعلم كذبه فتجوز روايته تحت أصل صحيح، ومعلوم أن قيام العلماء بواجب الإنكار العلني على السلطة مع أمن وقوع مفسدة أكبر مستفيض استفاضة تغني عن التفتيش عن إسناد كل خبر على حدة، والنماذج من تاريخنا كثيرة جدًا، ولهذا قال الإمام عبدالرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 201: (والمقصود أنه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثارًا لإعزاز الشرع على حفظ مهجهم واستسلامًا للشهادة إن حصلت لهم) .
وأما ما يقرره بعض الباحثين من أن نقد الحاكم الجائر لا يجوز أن يكون إلا سرًا في جميع الأحوال، فليس عليه دليل يقتضي الحصر، حتى لو سلم صحة حديث عياض بن غنم الذي يدل على بذل النصيحة للسلطان سرًا - مع أنه متكلم في إسناده - فإن سبيل الجمع بينه وبين الأحاديث التي تعارضه أن يحمل ما ورد في شأن الإسرار على ما كان من النصيحة في مخالفات الحاكم القاصرة عليه، وما ورد في الإعلان على المنكر المتعدي كالظلم وإشاعة الفساد ونحو ذلك، ولم يزل العلماء يوفقون بين النصوص التي يظن بينها تعارض على هذا النحو، كما قيل في التوفيق بين