الصفحة 17 من 33

أحاديث استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة، ونقض الوضوء بلمس الذكر، وصلاة المأمومين إذا صلى الإمام جالسًا، وأحاديث نفي العدوى مع الأمر بالفرار من المجذوم، وما ورد في المخابرة في باب المزارعة، ونحوها كثير، وأما إلغاء النصوص التي عضدها عمل الفقهاء وعادة العلماء وتعطيل دلالاتها، والتمسك بنص واحد دون سواه رضوخًا لضغط الواقع، ثم تأويل الشرع ليوافقه، فليس من صنيع أهل الفقه والتحقيق.

الوسيلة الثالثة: الاستفادة من أثر الرأي العام للرقابة على السلطة:

ومن الأمثلة في التاريخ ما رواه ابن الجوزي بإسناده أن المأمون قال: (لولا يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، ومن يزيد حتى يُتقى؟، قال ويحك، إني أخاف أن يرد علي، فيختلف الناس وتكون فتنة، وأنا أكره الفتنة، فقال له الرجل: فأنا أخبر لك ذلك منه، فقال له: نعم، قال: فخرج إلى واسط، فجاء إلى يزيد بن هارون، فدخل عليه المسجد، وجلس إليه فقال له: يا أبا خالد إن أمير المؤمنين يقرئك السّلام ويقول لك إني أريد أن أظهر أن القرآن مخلوق فقال: كذبت على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفون، فإن كنت صادقًا فعد غدًا إلى المجلس، فإذا اجتمع الناس فقل، قال: فلما كان الغد اجتمع الناس فقام، فقال: يا أبا خالد، رضي الله عنك، إن أمير المؤمنين يقرئك السّلام ويقول لك:(إني أريد أن أظهر أن القرآن مخلوق، فما عندك في ذلك؟ قال: كذبت في ذلك على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل به أحد، قال: فقدم فقال: يا أمير المؤمنين، كنت أنت أعلم، قال: وكان من القصة كيت وكيت، فقال له: ويحك، لعب بك) (المنتظم 10/ 158) .

وقوله: (أنا أخبر لك ذلك منه) يقصد به أرى إن كان الإمام يزيد بن هارون سيستعمل قدرته على التأثير على الرأي العام ضد السلطة فيما لو أظهرت هذا القول، أم سوف يكون إنكاره لها رأيًا شخصيًا بيننا وبينه فقط أو سوف يُؤثِر السكوت، أو نحو ذلك مما سيكون تأثيره محدودًا.

وفي هذه القصة أن الإمام يزيد بن هارون أراد أن يبلغ السلطة أنه سوف يستفيد من تأثيره على الرأي العام لتحجيمها ومنعها من استغلال موقعها لفرض آرائها الفكرية الخاطئة، ولهذا دعا رسول الخليفة أمام الناس ليشهدهم على موقفه، ويكون في ذلك إشارة واضحة للسلطة لتكف عما تخطط له، ولم يكتف رحمه الله بذكر ذلك فيما بينه وبين مندوب السلطة خاصة، وهو يدل على قيام العلماء في ذلك الزمان برسالتهم ووعيهم الوسائل الكفيلة بتحقيق أهدافها.

وقد روى لنا التاريخ أيضًا هذه القصة الطريفة:

جاء في حسن المحاضرة: (أنه كان بمصر مغنية تدعى عجيبة، أولع بها الملك الكامل، فكانت تحضر إليه ليلًا، وتغنيه في مجلس ابن شيخ الشيوخ وغيره، فاتفقت قضية شهد فيها الملك الكامل عنده، وهو في دست ملكه، فقال القاضي عبد الله بن الصفراوي الملقب بعين الدولة، هذا السلطان يأمر، ولا يشهد، فأعاد عليه القول، فلما زاد الأمر، وفهم السلطان أنه لا يقبل شهادته، قال: أنا أشهد، تقبلني أم لا؟ فقال القاضي: لا، ما أقبلك وعجيبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت