غير أني قد رأيت أيضًا أن أجعل عُظم ما فيها عن حسبة الرعية على الدولة في الفقه الإسلامي، أو (الحسبة على الحاكم ووسائلها في الإسلام) ، وذلك حتى لا يكون حديثي في الندوة مكررًا مع الأستاذين الفاضلين المشاركين، ثم رأيت بإشارة من بعض الأخوة الكرام - أن أنشر ورقتي المقدمة لأسبوع الشريعة على صفحات (مشكاة الرأي) في صحيفة الوطن، حتى يعلم نفعها، فأعدت ترتيبها وزدت عليها زيادات مهمة ثم نشرها الدكتور عبد الرزاق الشايجي مشكورًا جزاه الله خيرًا على حلقات في مشكاة الرأي في صحيفة الوطن، ثم ألح كثير من الاخوة أن نعيد نشرها مطبوعة لتصل إلى طلاب العلم، وها نحن أولاء نجيبهم إلى ما سألوا.
هذا وإني لأعلم أن هذا البحث قد يثير كثرًا من الجدال والقيل والقال، بسبب ما يروجه أولئك الذين يزعمون أن الحاكم في الفقه الإسلامي ليس عليه حسبة ولا رقابة من الأمة، فله أن يفعل ما يشاء، ويحكم بالحكم المطلق من كل قيد، فشابهوا دعوة القائلين بنظرية (الحق الإلهي) ، وهو اصطلاح سياسي أطلق على تلك النظرية التي سادت في أوروبا في القرون الوسطى، إذ كانت الكنيسة تُعطي هذا الحق، حق الطاعة المطلقة والتصرف المطلق في الرعية لبعض الملوك، وينزلونهم منزلة الأرباب، كما وصف الله تعالى شأن ضلال النصارى في القرآن: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانْهُمْ أَرْبَابًا مِن دُون اللهِ) .
وقد زعم هؤلاء المنتسبون إلى العلم الشرعي أن الأمة ليس لها الاعتراض على ما يفعله الحاكم، وليس في الشريعة الإسلامية وسيلة لتقويمه أو تقييد سلطته البتة، إلى وسيلة واحدة فحسب، وهي نُصْحهُ سِرًا فقط في أضيق الحدود ولا شيء وراء ذلك البتة، وهؤلاء أخذوا بنص واحد مختلف في صحة إسناده ولم يفقهوه حق فقهه، ورجحوه بالإطلاق ـ بلا نظر ولا فقه صحيح ـ على نصوص كثيرة تعارضه معارضة صريحة، كما ضربوا بعمل فقهاء الملة في مختلف العصور عرض الحائط، وركب بعضهم مركبًا صعبًا إذ زعم أن كل من استعمل وسيلة لتقويم الحاكم غير النصح السري فهو خارجي مارق، أشد على الأمة الإسلامية والملة المحمدية من اليهود والنصارى، ولا ريب أن من وصل إلى هذه الدرجة من التجني على الفقه الإسلامي، فإنه يكون ظالما للشريعة الإسلامية راميًا لها بعيب ونقص كبيرين، وهو مع ذلك يؤيد من حيث يشعر أو لا يشعر العلمانيين الذين يثيرون الشبه على الشريعة الإسلامية برميها بعدم القدرة على مواكبة العصر.
هذا وقد قابل هؤلاء قوم دعوا إلى إهدار قاعدة تحمل أدنى المفاسد خشية الوقوع في أعلاها، والتي دلت عليها نصوص الشريعة المتظافرة، ونادوا بأخذ ما في بلاد الغرب وما عند غير المسلمين في هذا العصر من الوسائل السياسية لتقييد السلطة بلا حدود ولا قيود، متناسين أن الشريعة - على سبيل المثال - قد رجحت الحفاظ على وحدة الأمة ولو على نقص فيها، على تقويم اعوجاج الحاكم إذا كان تقويمه يؤدي إلى ضرب وحدتها، وذلك من باب ارتكاب أدنى المفسدين.