الصفحة 31 من 33

للقوانين التي منها حقوق الرعية بالتعبير عن رأيهم، فحتى لو كرهت السلطة التنفيذية الإنكار عليها فإنها لا تستطيع أن تمنع ذلك وتتجاوز صلاحياتها، حتى ربما استطاع الشعب عبر ممثليه أن يغير السلطة التنفيذية، ويأتي بغيرها، وكل ذلك يكثر وجوده في حكومات العالم الغربي حيث يعيش المسلمون هناك وربما احتاجوا إلى تلك الوسائل لحماية أنفسهم ودينهم، وتوجد في بعض البلاد الإسلامية كذلك، هذا والواجب أن يتعرف المفتي على هذا الواقع حتى يعلم تحقق قاعدة سد الذرائع في البلاد التي أفتى لأهلها بالمنع المطلق أم لا.

هذا، وإنه لمن المقرر في أحكام الفتوى وآدابها أن لا يقصر المفتي نظره على البلاد التي يعيش فيها فحسب، ويرى العالم كله من خلالها، ويبني الفتوى على ما يراه حوله فقط، فإن هذا من شأنه أن يجعل الفتوى تأتي بضد مقصودها، وقد حكيت لبعض أفاضل أهل العلم ما تسمح به البيئة الكويتية - على سبيل المثال - من وسائل لإنكار المنكرات علنية تطال أعلى السلطات وتعد في الكويت كالأعراف المعتادة لكل الناس، ما صار بهم إلى الدهشة وكأنهم لم يسمعوا بذلك قط، وقد نبهت إلى وجوب اطلاعهم على أحوال العالم الإسلامي، قبل تصدير الفتوى لما في ذلك من الأهمية العظمى.

وقلت لهم إننا نعلم أن نظام الحكم الإسلامي قد كفل من وسائل تحقيق العدل ومنع الظلم وكفاية الرعية وحفظ الحقوق، وإلزام السلطة بواجباتها عبر قنوات شرعية، ما يجعله نظامًا مميزًا، وأنه لا يجوز استبداله بالأنظمة الغربية، غير أن هذا الأصل لا يعني أن لا ينظر المفتي إلى واقع الحال وحاجة الناس إلى تخفيف الشر وتحصيل الخير ما أمكن في غياب الإمامة الإسلامية العادلة، وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والبلاد والزمان والمكان.

كما ننبه هنا أنه لا يجوز أن نغفل سد ذرائع المنكر، عندما ننظر إلى سد ذرائع الأضرار التي تترتب على إنكار المنكر، فقد يكون المنكر منكرًا إلى درجة يهون معها وقوع الأذى الجزئي في إعلان النكير على فاعليه حتى لو كانت السلطة، فلا شيء يبيد النعم كظلم السلطة، وقد ورد في الحديث (أخوف ما أخاف عليكم حيف الأئمة) وفيه (أخاف على أمتي الأئمة المضلين) ولهذا صار أعظم الجهاد الإنكار على جور السلطان، لأن في استمراره على جوره وقوع الفساد العام، وإنما تحل العقوبة الإلهية عند السكوت عنه كما صح في الحديث، كما أن في ترك إظهار الإنكار بالكلية خشية حصول مفاسد جزئية، اختلاط الحق بالباطل، وانقلاب المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وخفاء الدين على الناس، واندراس معالمه، ولعمري، إن هذه المفاسد لا تضاهيها مفسدة، فينبغي أن ينظر في سد هذه الذريعة أيضًا عند الترجيح، وقد وجدنا بعض المفتين لا يعير لهذا الجانب، اهتمامًا وإنما يتوجه نظره فحسب إلى منع الدعاة من إعلان النكير على شيء خوفًا عليهم، حتى عمت المنكرات وطمت، وصار ما كان يحذر منه، قد وقع في أعظم منه، فهذا باب مهم جدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت