فهرس الكتاب
الأسرى ونحو ذلك، فهذه كلها مباحة ما لم تؤد إلى الوقوع في محظور كما في القسم الأول فتمنع.
القسم الثاني: مستحبة - أو واجبة بحسب الحال وما يراد تحقيقه بها - وذلك فيما إذا كان مقصدها مستحبًا أو واجبًا، ومن أمثلة هذا النوع أن تكون في أرض العدو للضغط عليه للوصول إلى مصلحة شرعية للمسلمين، كما كان فيما سمي (مظاهرات الحجارة) التي قصد بها الشعب الفلسطيني إثارة الرأي العالمي ضد جرائم اليهود بالمسلمين، بغية تحريك القضية وفضح مكائد اليهود، ولم يبلغنا أن أحدًا من علماء المسلمين حرم تلك المظاهرات، أو تكون للضغط على المحتل الكافر لإخراجه من البلاد كما كان يفعل المسلمون إبّان الاستعمار الذي عم البلاد الإسلامية، أو كانت وسيلة للخروج على حاكم يجب الخروج عليه مع القدرة لظهور الكفر البواح، وهذه فيما يخص مظاهرات العنف، ويجب أن يراعى فيها أن لا تتعدى إلى الاعتداء على المسلمين أو تؤدي إلى ضرر عليهم راجح على مصالحها.
وأما السلمية فتدخل في هذا القسم إذا كانت في أنظمة تسمح بها وتجعلها حقًا للأفراد عبر منظمات لهم تسمى نقابات أو اتحادات، فيسمح لهم القانون أن ينظموا إضرابًا أو اعتصامًا أو مسيرة سلمية للحصول على مطالبهم فإذا كانت تلك المطالب شرعية دعوية، كان لهذه الوسيلة حكم مقصدها، وهذا - أعني السماح بهذه الوسائل - قد يكون عرفًا سائدًا لا قانونًا منصوصًا عليه، فهذه كلها إذا خلت من محاذير أخرى فهي مستحبة - أو واجبة إذا لم يتم الواجب إلا بها وبحسب مقصدها -، ولا مانع شرعًا البتة أن تستعمل لتحيق بعض أهداف الدعوة أو إنكار المنكر، وكل ذلك ما لم تُفْضِ إلى الوقوع في منكر أكبر.
وفي هذا الباب يحصل المسلمون في بلاد الغرب - حيث تنص غالب الدساتير على حقوق الشعوب باستعمال هذه الوسائل - على كثير من حقوقهم ويخففون الأذى عليهم من أعداءهم، مستغلين هذه الوسائل المسوح بها وإذاعة وسائل الإعلام لها لإيصال صوتهم إلى العالم، وكل ذلك مشروع ما لم يفض إلى محرم أشد ضررًا.
هذا، وتحقيق هذه الفتوى على الواقع، يجتهد فيه أهل كل بلد ممن له أهلية ذلك لأنهم أعرف بأحوالهم، ولا عجب أن يفتي بتحريم هذه الوسائل مطلقًا من ينكر وجود سلطة في العالم تسمح لموطنيها بالاحتجاج العلني عليها، ويقول حتى لو وجدت فلا تلبث أن تبطش بهم، غير أنه لم يعد خافيًا أن وجود مثل هذه القوانين التي تعطي الشعب حق الاعتراض والنقد العلني كحرية الصحافة وتنظيم وسائل الاحتجاج الجماعية ونحوها، إنما يتحقق في الأنظمة التي تقوم علي فصل السلطات، وفيها تكون السلطة التنفيذية ما هي إلا سلطة واحدة من الدولة والشعب يشارك فيها بقوة القانون أيضًا، وتشاركهم في اتخاذ القرارات - بل هي المخولة أصلًا ـ ولها حق مراقبة الحكومة وتفرض عليها الخضوع