فهرس الكتاب
الْقَضِيَّةِ فِي الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. وَأَمَّا الْعِلْمُ النَّافِعُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ وَيَسْعَدُ بِهِ الْعِبَادُ فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِاتِّبَاعِ الْكُتُبِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ قَالَ تَعَالَى: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ} إلَخْ وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْهُدَى وَالْإِيمَانَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ طَرِيقِ الْعِلْمِ مَعَ عَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ أَوْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ وَالزُّهْدِ بِدُونِ الْعِلْمِ فَقَدْ ضَلَّ. وَأَضَلُّ مِنْهُمَا مَنْ سَلَكَ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ طَرِيقَ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ بِدُونِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ أَوْ سَلَكَ فِي الْعَمَلِ وَالزُّهْدِ طَرِيقَ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالتَّصَوُّفِ بِدُونِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا اعْتِبَارِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ؛ فَأَعْرَضَ هَؤُلَاءِ عَنْ الْعِلْمِ وَالشَّرْعِ وَأَعْرَضَ أُولَئِكَ عَنْ الْعَمَلِ وَالشَّرْعِ فَضَلَّ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَتَبَايَنُوا تَبَايُنًا عَظِيمًا حَتَّى أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ وَأَشْبَهَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الضَّالِّينَ؛ بَلْ صَارَ مِنْهُمَا مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَالْقَرَامِطَةِ والاتحادية وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ الْفَلَاسِفَةِ.
مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءَ فِي مَنْ عَزَمَ عَلَى"فِعْلِ مُحَرَّمٍ"كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ عَزْمًا جَازِمًا - فَعَجَزَ عَنْ فِعْلِهِ: إمَّا بِمَوْتِ أَوْ غَيْرِهِ. هَلْ يَاثَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ قُلْتُمْ: يَاثَمُ فَمَا جَوَابُ مَنْ يَحْتَجُّ عَلَى عَدَمِ الْإِثْمِ بِقَوْلِهِ: {إذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ} وَبِقَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ} وَاحْتَجَّ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ. (أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَخْبَرَ بِالْعَفْوِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَالْعَزْمُ دَاخِلٌ فِي الْعُمُومِ وَالْعَزْمُ وَالْهَمُّ وَاحِدٌ. قَالَهُ ابْنُ سيده. (الثَّانِي أَنَّهُ جَعَلَ التَّجَاوُزَ مُمْتَدًّا إلَى أَنْ يُوجَدَ كَلَامٌ أَوْ عَمَلٌ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي حَدِّ التَّجَاوُزِ وَيَزْعُمُ أَنْ لَا دَلَالَةَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذْ الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ} لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِدُخُولِ الْمَقْتُولِ فِي النَّارِ مُوَاجَهَتُهُ أَخَاهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا مُجَرَّدُ قَصْدٍ وَأَنْ لَا دَلَالَةَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي قَالَ: {لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَفَعَلْت وَفَعَلْت أَنَّهُمَا فِي الْإِثْمِ سَوَاءٌ وَفِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ} لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ} وَهَذَا قَدْ تَكَلَّمَ وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ كَثِيرٌ وَاحْتِيجَ إلَى بَيَانِهَا مُطَوَّلًا مَكْشُوفًا مُسْتَوْفًى.
شرح: ... 1 ... 2 ... 3 ... 4 ... 5 ... 6
وَمِمَّا يُبْنَى عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ - بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَبَيْنَ بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ - وَهِيَ"تَوْبَةُ الْعَاجِزِ عَنْ الْفِعْلِ"كَتَوْبَةِ الْمَجْبُوبِ عَنْ الزِّنَا وَتَوْبَةِ الْأَقْطَعِ الْعَاجِزِ عَنْ السَّرِقَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْعَجْزِ؛ فَإِنَّهَا تَوْبَةٌ صَحِيحَةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الْفِعْلِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُثَابَ عَلَى تَرْكِهِ الْفِعْلَ؛ بَلْ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ إرَادَةُ الْعَاجِزِ عَلَيْهَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ كَمَا بَيَّنَّا، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ تَجْرِي مَجْرَى الْفَاعِلِ التَّامِّ فَهَذَا الْعَاجِزُ إذَا أَتَى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مُبَاعَدَةِ أَسْبَابِ الْمَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ وَهِجْرَانِهَا وَتَرْكِهَا بِقَلْبِهِ كَالتَّائِبِ الْقَادِرِ عَلَيْهَا سَوَاءٌ فَتَوْبَةُ هَذَا الْعَاجِزِ عَنْ كَمَالِ الْفِعْلِ كَإِصْرَارِ الْعَاجِزِ عَنْ كَمَالِ الْفِعْلِ. وَمِمَّا يُبْنَى عَلَى هَذَا"الْمَسْأَلَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الطَّلَاقِ"وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ وَجَزَمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَعِنْدَ مَالِك فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَقَعُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى تَرْكِ الْوُقُوعِ بِقَوْلِهِ: