فهرس الكتاب
{إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا} فَقَالَ الْمُنَازِعُ: هَذَا الْمُتَجَاوَزُ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْجَازِمُ بِذَلِكَ فِي النَّفْسِ لَيْسَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ". فَقَالَ الْمُنَازِعُ لَهُمْ: قَدْ قَالَ {مَا لَمْ تُكَلِّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ} فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّجَاوُزَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ امْتَدَّ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ الَّتِي هِيَ الْكَلَامُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ السُّؤَالِ مِنْ اسْتِدْلَالِ بَعْضِ النَّاسِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ حَسَنٌ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ إذَا صَارَ عَزْمًا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ يَعْمَلْ يُؤَاخَذُ بِهِ لَكَانَ خِلَافَ النَّصِّ لَكِنْ يُقَالُ: هَذَا فِي الْمَامُورِ [صَاحِبِ] الْمَقْدِرَةِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْكَلَامُ وَالْعَمَلُ إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَعْمَلْ وَأَمَّا الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْمَاتِيُّ فِيهَا بِالْمَقْدُورِ فَتَجْرِي مَجْرَى الَّتِي أَتَى مَعَهَا بِكَمَالِ الْعَمَلِ بِدَلِيلِ الْأَخْرَسِ لَمَّا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ وَقَدْ يَكُونُ عَاجِزًا عَنْ الْعَمَلِ بِالْيَدَيْنِ وَنَحْوِهِمَا لَكِنَّهُ إذَا أَتَى بِمَبْلَغِ طَاقَتِهِ مِنْ الْإِشَارَةِ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِهِ وَالْأَحْكَامِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الْآخَرُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ وَهُوَ أَنَّ الْعَزْمَ وَالْهَمَّ دَاخِلٌ فِي حَدِيثِ النَّفْسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مُطْلَقًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ إذَا قِيلَ: إنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِوُجُودِ فِعْلٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ وَغَيْرُ ذَلِكَ يَصِحُّ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ إنْ كَانَ مَقْدُورًا مَعَ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ وَجَبَ وُجُودُهُ وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فَلَا بُدَّ مَعَ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ مِنْ فِعْلِ بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ فِعْلٌ أَصْلًا فَهُوَ هَمٌّ. وَحَدِيثُ النَّفْسِ لَيْسَ إرَادَةً جَازِمَةً وَلِهَذَا لَمْ يَجِئْ فِي النُّصُوصِ الْعَفْوُ عَنْ مُسَمَّى الْإِرَادَةِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْعَجَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ إذْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ حَيْثُ وَقَعَ عَلَيْهِمْ ذَمٌّ وَعِقَابٌ فَلِأَنَّهَا تَمَّتْ حَتَّى صَارَتْ قَوْلًا وَفِعْلًا. وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي} الْحَدِيثُ حَقٌّ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْإِرَادَاتِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ حَقٌّ؛ وَلَكِنَّ طَائِفَة مِنْ النَّاسِ قَالُوا: إنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ ثُمَّ تَنَازَعُوا فِي الْعِقَابِ عَلَيْهَا فَكَانَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ تَبِعَهُ كَأَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ يَرَوْنَ الْعُقُوبَةَ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُؤَاخَذُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَوْلٌ أَوْ عَمَلٌ. وَالْقَاضِي بَنَاهَا عَلَى أَصْلِهِ فِي"الْإِيمَانِ"الَّذِي اتَّبَعَ فِيهِ جَهْمًا وَالصَّالِحِيَّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَلَوْ كَذَّبَ بِلِسَانِهِ وَسَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِلِسَانِهِ وَإِنَّ سَبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إنَّمَا هُوَ كُفْرٌ فِي الظَّاهِرِ وَأَنَّ كُلَّمَا كَانَ كُفْرًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَهَذَا أَصْلٌ فَاسِدٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ حَتَّى إنَّ الْأَئِمَّةَ: كَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِمْ كَفَّرُوا مَنْ قَالَ فِي"الْإِيمَانِ"بِهَذَا الْقَوْلِ؛ بِخِلَافِ الْمُرْجِئَةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: هُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا بَدَّعُوهُمْ."
فَإِنَّ الْجِنَّ مَامُورُونَ وَمَنْهِيُّونَ كَالْإِنْسِ
وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ مِنْ الْإِنْسِ إلَيْهِمْ وَإِلَى الْإِنْسِ وَأَمَرَ الْجَمِيعَ بِطَاعَةِ الرُّسُلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} وَهَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: أَيْ كَثِيرٌ مَنْ أَغْوَيْتُمْ مِنْ الْإِنْسِ وأضللتموهم. قَالَ البغوي: قَالَ بَعْضُهُمْ: اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ مَا كَانُوا يُلْقُونَ لَهُمْ: مِنْ الْأَرَاجِيفِ وَالسِّحْرِ وَالْكَهَانَةِ وَتَزْيِينُهُمْ لَهُمْ الْأُمُورَ الَّتِي يُهَيِّئُونَهَا وَيَسْهُلُ سَبِيلُهَا عَلَيْهِمْ وَاسْتِمْتَاعُ الْجِنِّ بِالْإِنْسِ طَاعَةُ الْإِنْسِ لَهُمْ فِيمَا يُزَيِّنُونَ لَهُمْ مِنْ الضَّلَالَةِ وَالْمَعَاصِي قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ طَاعَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ