الصفحة 110 من 181

وَمُوَافَقَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. قَالَ: مَا كَانَ اسْتِمْتَاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ إلَّا أَنَّ الْجِنَّ أَمَرَتْ وَعَمِلَتْ الْإِنْسُ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ هُوَ الصَّحَابَةُ فِي الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ اسْتِعَاذَتُهُمْ بِهِمْ وَاسْتِمْتَاعُ الْجِنِّ بِالْإِنْسِ أَنْ قَالُوا: قَدْ أَسَرْنَا الْإِنْسَ مَعَ الْجِنِّ حَتَّى عَاذُوا بِنَا فَيَزْدَادُونَ شَرَفًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعِظَمًا فِي نُفُوسِهِمْ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} قُلْت"الِاسْتِمْتَاعُ بِالشَّيْءِ"هُوَ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ فَيَنَالَ بِهِ مَا يَطْلُبُهُ وَيُرِيدُهُ وَيَهْوَاهُ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِمْتَاعُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ كَمَا قَالَ: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} وَمِنْ ذَلِكَ الْفَوَاحِشُ كَاسْتِمْتَاعِ الذُّكُورِ بِالذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالْإِنَاثِ. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الِاسْتِمْتَاعُ بِالِاسْتِخْدَامِ وَأَئِمَّةِ الرِّيَاسَةِ كَمَا يَتَمَتَّعُ الْمُلُوكُ وَالسَّادَةُ بِجُنُودِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْأَمْوَالِ كَاللِّبَاسِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} وَكَانَ مِنْ السَّلَفِ مَنْ يُمَتِّعُ الْمَرْأَةَ بِخَادِمِ فَهِيَ تَسْتَمْتِعُ بِخِدْمَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُمْتِعُ بِكِسْوَةِ أَوْ نَفَقَةٍ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: أَعْلَى الْمُتْعَةِ خَادِمٌ وَأَدْنَاهَا كِسْوَةٌ تُجْزِي فِيهَا الصَّلَاةُ. وَفِي"الْجُمْلَةِ"اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ وَالْجِنِّ بِالْإِنْسِ يُشْبِهُ اسْتِمْتَاعَ الْإِنْسِ بِالْإِنْسِ قَالَ تَعَالَى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلَّا الْمُتَّقِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْمَوَدَّاتُ الَّتِي كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ وَقَالَ الْخَلِيلُ: {إنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ} فَالْمُشْرِكُ يَعْبُدُ مَا يَهْوَاهُ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى هُوَ اسْتِمْتَاعٌ مِنْ صَاحِبِهِ بِمَا يَهْوَاهُ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ هَذَا كُلُّهُ. وَتَارَةً يَخْدِمُ هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ فِي أَغْرَاضِهِمْ وَهَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ فِي أَغْرَاضِهِمْ فَالْجِنُّ تَاتِيهِ بِمَا يُرِيدُ مِنْ صُورَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ قَتْلِ عَدُوِّهِ وَالْإِنْسُ تُطِيعُ الْجِنَّ فَتَارَةً تَسْجُدُ لَهُ وَتَارَةً تَسْجُدُ لِمَا يَامُرُهُ بِالسُّجُودِ لَهُ وَتَارَةً تُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهِ فَيَفْعَلُ بِهِ الْفَاحِشَةَ وَكَذَلِكَ الْجِنِّيَّاتُ مِنْهُنَّ مَنْ يُرِيدُ مِنْ الْإِنْسِ الَّذِي يَخْدِمْنَهُ مَا يُرِيدُ نِسَاءُ الْإِنْسِ مِنْ الرِّجَالِ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي رِجَالِ الْجِنِّ وَنِسَائِهِمْ فَكَثِيرٌ مِنْ رِجَالِهِمْ يَنَالُ مِنْ نِسَاءِ الْإِنْسِ مَا يَنَالُهُ الْإِنْسِيُّ وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالذُّكْرَانِ. وَصَرْعُ الْجِنِّ لِلْإِنْسِ هُوَ لِأَسْبَابِ ثَلَاثَةٍ: تَارَةً يَكُونُ الْجِنِّيُّ يُحِبُّ الْمَصْرُوعَ فَيَصْرَعُهُ لِيَتَمَتَّعَ بِهِ وَهَذَا الصَّرْعُ يَكُونُ أَرْفَقَ مِنْ غَيْرِهِ وَأَسْهَلَ وَتَارَةً يَكُونُ الْإِنْسِيُّ آذَاهُمْ إذَا بَالَ عَلَيْهِمْ أَوْ صَبَّ عَلَيْهِمْ مَاءً حَارًّا أَوْ يَكُونُ قَتَلَ بَعْضَهُمْ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى وَهَذَا أَشَدُّ الصَّرْعِ وَكَثِيرًا مَا يَقْتُلُونَ الْمَصْرُوعَ وَتَارَةً يَكُونُ بِطَرِيقِ الْعَبَثِ بِهِ كَمَا يَعْبَثُ سُفَهَاءُ الْإِنْسِ بِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ. وَمِنْ اسْتِمْتَاعِ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ اسْتِخْدَامُهُمْ فِي الْإِخْبَارِ بِالْأُمُورِ الْغَائِبَةِ كَمَا يُخْبَرُ الْكُهَّانُ فَإِنَّ فِي الْإِنْسِ مَنْ لَهُ غَرَضٌ فِي هَذَا؛ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ كُفَّارًا كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ لَمْ تُبَالِ بِأَنْ يُقَالَ: إنَّهُ كَاهِنٌ كَمَا كَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ كُهَّانًا وَقَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَفِيهَا كُهَّانٌ وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَطْلُبُونَ التَّحَاكُمَ إلَى الْكُهَّانِ وَكَانَ أَبُو أَبْرَقَ الأسلمي أَحَدَ الْكُهَّانِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ مُسْلِمِينَ لَمْ يُظْهِرْ أَنَّهُ كَاهِنٌ بَلْ يَجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَاتِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْكُهَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَخْدِمُ الْإِنْسِيَّ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ إلَّا لِمَا يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنْ الْإِنْسِيِّ بِأَنْ يُطِيعَهُ الْإِنْسِيُّ فِي بَعْضِ مَا يُرِيدُهُ إمَّا فِي شِرْكٍ وَإِمَّا فِي فَاحِشَةٍ وَإِمَّا فِي أَكْلِ حَرَامٍ وَإِمَّا فِي قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. فَالشَّيَاطِينُ لَهُمْ غَرَضٌ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَلَهُمْ لَذَّةٌ فِي الشَّرِّ وَالْفِتَنِ يُحِبُّونَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ وَهُمْ يَامُرُونَ السَّارِقَ أَنْ يَسْرِقَ وَيَذْهَبُونَ إلَى أَهْلِ الْمَالِ فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْقُوَّةُ الْمَلَكِيَّةُ وَالْبَهِيمِيَّةُ والسبعية والشيطانية فَإِنَّ الْمَلَكِيَّةَ فِيهَا الْعِلْمُ النَّافِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالْبَهِيمِيَّةَ فِيهَا الشَّهَوَاتُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ والسبعية فِيهَا الْغَضَبُ وَهُوَ دَفْعُ الْمُؤْذِي وَأَمَّا الشَّيْطَانِيَّةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت