الصفحة 111 من 181

فَشَرٌّ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهَا جَلْبُ مَنْفَعَةٍ وَلَا دَفْعُ مَضَرَّةٍ. وَالْفَلَاسِفَةُ وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ لَا يَعْرِفُونَ هَذِهِ وَإِنَّمَا يَعْرِفُونَ الشَّهْوَةَ وَالْغَضَبَ وَالشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ خُلِقَا لِمَصْلَحَةِ وَمَنْفَعَةٍ؛ لَكِنَّ الْمَذْمُومَ هُوَ الْعُدْوَانُ فِيهِمَا وَأَمَّا الشَّيْطَانُ فَيَامُرُ بِالشَّرِّ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَيُحِبُّ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ إبْلِيسُ بِآدَمَ لَمَّا وَسْوَسَ لَهُ وَكَمَا امْتَنَعَ مِنْ السُّجُودِ لَهُ فَالْحَسَدُ يَامُرُ بِهِ الشَّيْطَانُ وَالْحَاسِدُ لَا يَنْتَفِعُ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ الْمَحْسُودِ لَكِنْ يُبْغِضُ ذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ بُغْضُهُ لِفَوَاتِ غَرَضِهِ وَقَدْ لَا يَكُونُ. وَمِنْ اسْتِمْتَاعِ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ اسْتِخْدَامُهُمْ فِي إحْضَارِ بَعْضِ مَا يَطْلُبُونَهُ مِنْ مَالٍ وَطَعَامٍ وَثِيَابٍ وَنَفَقَةٍ؛ فَقَدْ يَاتُونَ بِبَعْضِ ذَلِكَ وَقَدْ يَدُلُّونَهُ عَلَى كَنْزٍ وَغَيْرِهِ. وَاسْتِمْتَاعُ الْجِنِّ بِالْإِنْسِ اسْتِعْمَالُهُمْ فِيمَا يُرِيدُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ كُفْرٍ وَفُسُوقٍ وَمَعْصِيَةٍ. وَمِنْ اسْتِمْتَاعِ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ اسْتِخْدَامُهُمْ فِيمَا يَطْلُبُهُ الْإِنْسُ مِنْ شِرْكٍ وَقَتْلٍ وَفَوَاحِشَ فَتَارَةً يَتَمَثَّلُ الْجِنِّيُّ فِي صُورَةِ الْإِنْسِيِّ فَإِذَا اسْتَغَاثَ بِهِ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ أَتَاهُ فَظَنَّ أَنَّهُ الشَّيْخُ نَفْسُهُ وَتَارَةً يَكُونُ التَّابِعُ قَدْ نَادَى شَيْخَهُ وَهَتَفَ بِهِ يَا سَيِّدِي فُلَانٌ فَيَنْقُلُ الْجِنِّيُّ ذَلِكَ الْكَلَامَ إلَى الشَّيْخِ بِمِثْلِ صَوْتِ الْإِنْسِيِّ حَتَّى يَظُنَّ الشَّيْخُ أَنَّهُ صَوْتُ الْإِنْسِيِّ بِعَيْنِهِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ يَقُولُ: نَعَمْ وَيُشِيرُ إشَارَةً يَدْفَعُ بِهَا ذَلِكَ الْمَكْرُوهَ فَيَاتِي الْجِنِّيُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ الصَّوْتِ وَالْفِعْلِ فَيَظُنُّ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَنَّهُ شَيْخُهُ نَفْسُهُ وَهُوَ الَّذِي أَجَابَهُ وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ تَابِعَ الشَّيْخِ قَدْ يَكُونُ يَدُهُ فِي إنَاءٍ يَاكُلُ فَيَضَعُ الْجِنِّيُّ يَدَهُ فِي صُورَةِ يَدِ الشَّيْخِ وَيَاخُذُ مِنْ الطَّعَامِ؛ فَيَظُنُّ ذَلِكَ التَّابِعُ أَنَّهُ شَيْخُهُ حَاضِرٌ مَعَهُ وَالْجِنِّيُّ يُمَثِّلُ لِلشَّيْخِ نَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الْإِنَاءِ؛ فَيَضَعُ يَدَهُ فِيهِ حَتَّى يَظُنَّ الشَّيْخُ أَنَّ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ فَإِذَا حَضَرَ الْمُرِيدُ ذَكَرَ لَهُ الشَّيْخُ أَنَّ يَدِي كَانَتْ فِي الْإِنَاءِ فَيُصَدِّقُهُ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ شَهْرٍ وَالشَّيْخُ مَوْضِعَهُ وَيَدُهُ لَمْ تَطُلْ وَلَكِنَّ الْجِنِّيَّ مَثَّلَ لِلشَّيْخِ وَمَثَّلَ لِلْمُرِيدِ حَتَّى ظَنَّ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْآخَرِ وَإِنَّمَا كَانَ عِنْدَهُ مَا مَثَّلَهُ الْجِنِّيُّ وَخَيَّلَهُ. وَإِذَا سُئِلَ الشَّيْخُ الْمَخْدُومُ عَنْ أَمْرٍ غَائِبٍ إمَّا سَرِقَةٍ وَإِمَّا شَخْصٍ مَاتَ وَطُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُخْبِرَ بِحَالِهِ أَوْ عِلَّةٍ فِي النِّسَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْجِنِّيَّ قَدْ يُمَثِّلُ ذَلِكَ فَيُرِيهِ صُورَةَ الْمَسْرُوقِ فَيَقُولُ الشَّيْخُ: ذَهَبَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ مُعَظَّمًا وَأَرَادَ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى سَرِقَتِهِ مَثَّلَ لَهُ الشَّيْخُ الَّذِي أَخَذَهُ أَوْ الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ فَيَذْهَبُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالَ وَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ صُورَةَ الْمَالِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي سَرَقَ الْمَالَ مَعَهُ أَيْضًا جِنِّيٌّ يَخْدِمُهُ وَالْجِنُّ يَخَافُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَ يَخَافُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَإِذَا دَلَّ الْجِنِّيُّ عَلَيْهِ جَاءَ إلَيْهِ أَوْلِيَاءُ السَّارِقِ فَآذَوْهُ وَأَحْيَانًا لَا يَدُلُّ لِكَوْنِ السَّارِقِ وَأَعْوَانِهِ يَخْدِمُونَهُ وَيَرْشُونَهُ كَمَا يُصِيبُ مَنْ يَعْرِفُ اللُّصُوصَ مِنْ الْإِنْسِ تَارَةً يَعْرِفُ السَّارِقَ وَلَا يُعَرِّفُ بِهِ إمَّا لِرَغْبَةِ يَنَالُهَا مِنْهُ وَإِمَّا لِرَهْبَةِ وَخَوْفٍ مِنْهُ وَإِذَا كَانَ الْمَالُ الْمَسْرُوقُ لِكَبِيرِ يَخَافُهُ وَيَرْجُوهُ عَرَّفَ سَارِقَهُ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ اسْتِمْتَاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ:

فَصْلٌ:

قَوْله تَعَالَى {عُلُوًّا كَبِيرًا} {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} لَا يَقْتَضِي تَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا نَهْيًا وَلَا إذْنًا

كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِ مِنْهُ} . وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخشني مَرْفُوعًا فِي تَاوِيلِهَا {إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَايٍ بِرَايِهِ فَعَلَيْك بخويصة نَفْسِك} "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت