أَسْبَابُ الْحَسَدِ:
7 -سَبَبُ الْحَسَدِ أَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ التَّرَفُّعِ عَلَى الْجِنْسِ , فَإِذَا رَأَى لِغَيْرِهِ مَا لَيْسَ لَهُ أَحَبَّ أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ عَنْهُ إلَيْهِ لِيَرْتَفِعَ عَلَيْهِ أَوْ مُطْلَقًا لِيُسَاوِيَهُ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ سَبْعَةَ أَسْبَابٍ لِلْحَسَدِ: السَّبَبُ الْأَوَّلُ: الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ , وَهَذَا أَشَدُّ أَسْبَابِ الْحَسَدِ , فَإِنَّ مَنْ آذَاهُ شَخْصٌ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَخَالَفَهُ فِي غَرَضٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَبْغَضَهُ قَلْبُهُ , وَغَضِبَ عَلَيْهِ , وَرَسَخَ فِي نَفْسِهِ الْحِقْدُ. وَالْحِقْدُ يَقْتَضِي التَّشَفِّيَ وَالِانْتِقَامَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَنْ يَتَشَفَّى بِنَفْسِهِ أَحَبَّ أَنْ يَتَشَفَّى مِنْهُ الزَّمَانُ. السَّبَبُ الثَّانِي: التَّعَزُّزُ , وَهُوَ أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ , فَإِذَا أَصَابَ بَعْضُ أَمْثَالِهِ وِلَايَةً أَوْ عِلْمًا أَوْ مَالًا خَافَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ , وَهُوَ لَا يُطِيقُ تَكَبُّرَهُ , وَلَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِاحْتِمَالِ صَلَفِهِ وَتَفَاخُرِهِ عَلَيْهِ , وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ أَنْ يَتَكَبَّرَ , بَلْ غَرَضُهُ أَنْ يَدْفَعَ كِبْرَهُ , فَإِنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِمُسَاوَاتِهِ مَثَلًا , وَلَكِنْ لَا يَرْضَى بِالتَّرَفُّعِ عَلَيْهِ. السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْكِبْرُ , وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي طَبْعِهِ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ وَيَسْتَصْغِرَهُ وَيَسْتَخْدِمَهُ وَيَتَوَقَّعَ مِنْهُ الِانْقِيَادَ لَهُ وَالْمُتَابَعَةَ فِي أَغْرَاضِهِ , وَمِنْ التَّكَبُّرِ وَالتَّعَزُّزِ كَانَ حَسَدُ أَكْثَرِ الْكُفَّارِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذْ قَالُوا: كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْنَا غُلَامٌ يَتِيمٌ وَكَيْفَ نُطَاطِئُ رُءُوسَنَا لَهُ فَقَالُوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} السَّبَبُ الرَّابِعُ: التَّعَجُّبُ , كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ إذْ قَالُوا: {مَا أَنْتُمْ إلَّا بِشْرٌ مِثْلُنَا} . وَقَالُوا: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} - {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إنَّكُمْ إذًا لَخَاسِرُونَ} , فَتَعَجَّبُوا مِنْ أَنْ يَفُوزَ بِرُتْبَةِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ وَالْقُرْبِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بَشَرٌ مِثْلُهُمْ , فَحَسَدُوهُمْ , وَأَحَبُّوا زَوَالَ النُّبُوَّةِ عَنْهُمْ جَزَعًا أَنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ فِي الْخِلْقَةِ , لَا عَنْ قَصْدِ تَكَبُّرٍ , وَطَلَبِ رِئَاسَةٍ , وَتَقَدُّمِ عَدَاوَةٍ , أَوْ سَبَبٍ آخَرَ مِنْ سَائِرِ الْأَسْبَابِ. السَّبَبُ الْخَامِسُ: الْخَوْفُ مِنْ فَوْتِ الْمَقَاصِدِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمُتَزَاحِمَيْنِ عَلَى مَقْصُودٍ وَاحِدٍ , فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحْسُدُ صَاحِبَهُ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ تَكُونُ عَوْنًا لَهُ فِي الِانْفِرَادِ بِمَقْصُودِهِ , وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ تَحَاسُدُ الضَّرَائِرِ فِي التَّزَاحُمِ عَلَى مَقَاصِدِ الزَّوْجِيَّةِ , وَتَحَاسُدُ الْإِخْوَةِ فِي التَّزَاحُمِ عَلَى نَيْلِ الْمَنْزِلَةِ فِي قَلْبِ الْأَبَوَيْنِ. السَّبَبُ السَّادِسُ: حُبُّ الرِّئَاسَةِ وَطَلَبُ الْجَاهِ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَصُّلٍ بِهِ إلَى مَقْصُودٍ , وَذَلِكَ كَالرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَدِيمَ النَّظِيرِ فِي فَنٍّ مِنْ الْفُنُونِ إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ الثَّنَاءِ وَاسْتَفَزَّهُ الْفَرَحُ بِمَا يُمْدَحُ بِهِ , فَإِنَّهُ لَوْ سَمِعَ بِنَظِيرٍ لَهُ فِي أَقْصَى الْعَالَمِ لَسَاءَهُ ذَلِكَ , وَأَحَبَّ مَوْتَهُ , أَوْ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْهُ. السَّبَبُ السَّابِعُ: خُبْثُ النَّفْسِ وَشُحُّهَا بِالْخَيْرِ لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى , فَإِنَّك تَجِدُ مَنْ لَا يَشْتَغِلُ بِرِيَاسَةٍ وَتَكَبُّرٍ وَلَا طَلَبِ مَالٍ , إذَا وُصِفَ عِنْدَهُ حُسْنُ حَالِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَإِذَا وُصِفَ لَهُ اضْطِرَابُ أُمُورِ النَّاسِ , وَإِدْبَارُهُمْ , وَفَوَاتُ مَقَاصِدِهِمْ , وَتَنَغُّصُ عَيْشِهِمْ فَرِحَ بِهِ , فَهُوَ أَبَدًا يُحِبُّ الْإِدْبَارَ لِغَيْرِهِ , وَيَبْخَلُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ كَأَنَّهُمْ يَاخُذُونَ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِهِ وَخَزَائِنِهِ.
أَقْسَامُ الْحَسَدِ:
8 -ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْحَسَدَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا حَقِيقِيٌّ: وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا. وَالثَّانِي مَجَازِيٌّ: وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَ النِّعْمَةِ الَّتِي عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ زَوَالِهَا عَنْ صَاحِبِهَا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْغِبْطَةِ.
مَرَاتِبُ الْحَسَدِ:
9 -مَرَاتِبُ الْحَسَدِ أَرْبَعَةٌ: الْأُولَى: أَنْ يُحِبَّ الْحَاسِدُ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ الْمَحْسُودِ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ , وَهَذَا غَايَةُ الْخُبْثِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُحِبَّ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ الْمَحْسُودِ إلَيْهِ لِرَغْبَتِهِ فِي تِلْكَ النِّعْمَةِ , مِثْلُ رَغْبَتِهِ فِي دَارٍ حَسَنَةٍ , أَوْ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ , أَوْ وِلَايَةٍ نَافِذَةٍ , أَوْ سَعَةٍ نَالَهَا غَيْرُهُ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ لَهُ وَمَطْلُوبُهُ تِلْكَ النِّعْمَةُ لَا زَوَالُهَا عَنْهُ , وَمَكْرُوهُهُ فَقْدُ النِّعْمَةِ لَا تَنَعُّمُ غَيْرِهِ بِهَا.