الصفحة 3 من 181

الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَشْتَهِيَ الْحَاسِدُ عَيْنَ النِّعْمَةِ لِنَفْسِهِ بَلْ يَشْتَهِي مِثْلَهَا , فَإِنْ عَجَزَ عَنْ مِثْلِهَا أَحَبَّ زَوَالَهَا كَيْ لَا يَظْهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا. الرَّابِعَةُ: الْغِبْطَةُ , وَهِيَ أَنْ يَشْتَهِيَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ النِّعْمَةِ , فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ فَلَا يُحِبُّ زَوَالَهَا عَنْهُ. وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ إنْ كَانَ فِي شَانٍ دُنْيَوِيٍّ , وَالْمَنْدُوبُ إلَيْهِ إنْ كَانَ فِي شَانٍ دِينِيٍّ , وَالثَّالِثَةُ فِيهَا مَذْمُومٌ وَغَيْرُ مَذْمُومٍ , وَالثَّانِيَةُ أَخَفُّ مِنْ الثَّالِثَةِ , وَالْأُولَى مَذْمُومَةٌ مَحْضَةٌ. وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ الرُّتْبَةِ الْأَخِيرَةِ حَسَدًا فِيهِ تَجَوُّزٌ وَتَوَسُّعٌ , وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ لقوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} فَتَمَنِّيهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ , وَأَمَّا تَمَنِّيهِ عَيْنَ ذَلِكَ فَهُوَ مَذْمُومٌ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

10 -الْحَسَدُ إنْ كَانَ حَقِيقِيًّا , أَيْ بِمَعْنَى تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ الْغَيْرِ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ , لِأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْحَقِّ , وَمُعَانَدَةٌ لَهُ , وَمُحَاوَلَةٌ لِنَقْضِ مَا فَعَلَهُ , وَإِزَالَةُ فَضْلِ اللَّهِ عَمَّنْ أَهَّلَهُ لَهُ , وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ} فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ , وَشَرُّهُ كَثِيرٌ , فَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ وَهُوَ إصَابَةُ الْعَيْنِ , وَمِنْهُ مَا هُوَ مُكْتَسَبٌ كَسَعْيِهِ فِي تَعْطِيلِ الْخَيْرِ عَنْهُ وَتَنْقِيصِهِ عِنْدَ النَّاسِ , وَرُبَّمَا دَعَا عَلَيْهِ أَوْ بَطَشَ بِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّاوِيلِ فِي الْحَاسِدِ الَّذِي وَرَدَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِ: فَقَالَ قَتَادَةَ: الْمُرَادُ شَرُّ عَيْنِهِ وَنَفْسِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُمِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ شَرِّ الْيَهُودِ الَّذِينَ حَسَدُوهُ , وَالْأَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الطَّبَرِيُّ: {إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بِأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ} . وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْصُصْ مِنْ قَوْلِهِ: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ} حَاسِدًا دُونَ حَاسِدٍ بَلْ عَمَّ أَمْرُهُ إيَّاهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ فَذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ. وَالْحَاسِدُ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ عَدُوُّ نِعْمَةِ اللَّهِ. قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بَارَزَ الْحَاسِدُ رَبَّهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَبْغَضَ كُلَّ نِعْمَةٍ ظَهَرَتْ عَلَى غَيْرِهِ. ثَانِيهَا: أَنَّهُ سَاخِطٌ لِقِسْمَةِ رَبِّهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِمَ قَسَمْت هَذِهِ الْقِسْمَةَ؟ ثَالِثُهَا: أَنَّهُ ضَادَّ فِعْلَ اللَّهِ , أَيْ إنَّ فَضْلَ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ , وَهُوَ يَبْخَلُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ خَذَلَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ , أَوْ يُرِيدُ خِذْلَانَهُمْ وَزَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْهُمْ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ أَعَانَ عَدُوَّهُ إبْلِيسَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {إيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَاكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَاكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ أَوْ الْعُشْبَ} . وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَإِنَّ الْحَاسِدَ مَذْمُومٌ , فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحَاسِدَ لَا يَنَالُ فِي الْمَجَالِسِ إلَّا نَدَامَةً , وَلَا يَنَالُ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ إلَّا لَعْنَةً وَبَغْضَاءَ , وَلَا يَنَالُ فِي الْخَلْوَةِ إلَّا جَزَعًا وَغَمًّا , وَلَا يَنَالُ فِي الْآخِرَةِ إلَّا حُزْنًا وَاحْتِرَاقًا , وَلَا يَنَالُ مِنْ اللَّهِ إلَّا بُعْدًا وَمَقْتًا. وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الْحَسَدِ مَا إذَا كَانَتْ النِّعْمَةُ الَّتِي يَتَمَنَّى الْحَاسِدُ زَوَالَهَا عِنْدَ كَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى. أَمَّا إذَا كَانَ الْحَسَدُ مَجَازِيًّا , أَيْ بِمَعْنَى الْغِبْطَةِ فَإِنَّهُ مَحْمُودٌ فِي الطَّاعَةِ , وَمَذْمُومٌ فِي الْمَعْصِيَةِ , وَمُبَاحٌ فِي الْجَائِزَاتِ , وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ , وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ} أَيْ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا غِبْطَةَ أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ الْغِبْطَةِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.

عِلَاجُ الْحَسَدِ:

11 -ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ الْحَسَدَ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْعَظِيمَةِ لِلْقُلُوبِ , وَلَا تُدَاوَى أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ إلَّا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ , وَالْعِلْمُ النَّافِعُ لِمَرَضِ الْحَسَدِ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ تَحْقِيقًا أَنَّ الْحَسَدَ ضَرَرٌ عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ , وَأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ. أَمَّا كَوْنُهُ ضَرَرًا عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدِّينِ , فَهُوَ أَنَّ الْحَاسِدَ بِالْحَسَدِ سَخِطَ قَضَاءَ اللَّهِ تَعَالَى , وَكَرِهَ نِعْمَتَهُ الَّتِي قَسَمَهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت