بَيْنَ عِبَادِهِ , وَعَدْلَهُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي مُلْكِهِ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ , فَاسْتَنْكَرَ ذَلِكَ وَاسْتَبْشَعَهُ وَهَذِهِ جِنَايَةٌ عَلَى حَدَقَةِ التَّوْحِيدِ , وَقَذًى فِي عَيْنِ الْإِيمَانِ , وَكَفَى بِهِمَا جِنَايَةً عَلَى الدِّينِ. وَأَمَّا كَوْنُ الْحَسَدِ ضَرَرًا عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ بِحَسَدِهِ فِي الدُّنْيَا , أَوْ يَتَعَذَّبُ بِهِ وَلَا يَزَالُ فِي كَمَدٍ وَغَمٍّ , إذْ أَعْدَاؤُهُ لَا يُخَلِّيهِمْ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نِعَمٍ يُفِيضُهَا عَلَيْهِمْ , فَلَا يَزَالُ يَتَعَذَّبُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ يَرَاهَا , وَيَتَأَلَّمُ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ تَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيَبْقَى مَغْمُومًا مَحْرُومًا مُتَشَعِّبَ الْقَلْبِ ضَيِّقَ الصَّدْرِ قَدْ نَزَلَ بِهِ مَا يَشْتَهِيهِ الْأَعْدَاءُ لَهُ وَيَشْتَهِيهِ لِأَعْدَائِهِ , فَقَدْ كَانَ يُرِيدُ الْمِحْنَةَ لِعَدُوِّهِ فَتَنَجَّزَتْ فِي الْحَالِ مِحْنَتُهُ وَغَمُّهُ نَقْدًا , وَمَعَ هَذَا فَلَا تَزُولُ النِّعْمَةُ عَنْ الْمَحْسُودِ بِحَسَدِهِ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ فَوَاضِحٌ , لِأَنَّ النِّعْمَةَ لَا تُزَالُ عَنْهُ بِالْحَسَدِ , بَلْ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إقْبَالٍ وَنِعْمَةٍ , فَلَا بُدَّ أَنْ يَدُومَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَلَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ , بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ , وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ , وَمَهْمَا لَمْ تَزُلْ النِّعْمَةُ بِالْحَسَدِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَحْسُودِ ضَرَرٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ إثْمٌ فِي الْآخِرَةِ , وَأَمَّا أَنَّ الْمَحْسُودَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَوَاضِحٌ.
الْقَدْرُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنْ الْحَسَدِ وَعَكْسُهُ وَمَا فِيهِ خِلَافٌ:
12 -ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يُمْكِنُهُ نَفْيُ الْحَسَدِ عَنْ قَلْبِهِ بِالْكُلِّيَّةِ , بَلْ يَبْقَى دَائِمًا فِي نِزَاعٍ مَعَ قَلْبِهِ , لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَسَدِ لِأَعْدَائِهِ , وَذَكَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ لِلشَّخْصِ فِي أَعْدَائِهِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُحِبَّ مَسَاءَتَهُمْ بِطَبْعِهِ , وَيَكْرَهَ حُبَّهُ لِذَلِكَ وَمَيْلَ قَلْبِهِ إلَيْهِ بِعَقْلِهِ , وَيَمْقُتَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ , وَيَوَدَّ لَوْ كَانَتْ لَهُ حِيلَةٌ فِي إزَالَةِ ذَلِكَ الْمَيْلِ مِنْهُ , وَهَذَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ قَطْعًا , لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ أَكْثَرُ مِنْهُ. الثَّانِي: أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ وَيُظْهِرَ الْفَرَحَ بِمَسَاءَتِهِ إمَّا بِلِسَانِهِ أَوْ بِجَوَارِحِهِ فَهَذَا. هُوَ الْحَسَدُ الْمَحْظُورُ قَطْعًا. الثَّالِثُ: وَهُوَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَنْ يَحْسُدَ بِالْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ مَقْتٍ لِنَفْسِهِ عَلَى حَسَدِهِ , وَمِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْهُ عَلَى قَلْبِهِ , وَلَكِنْ يَحْفَظُ جَوَارِحَهُ عَنْ طَاعَةِ الْحَسَدِ فِي مُقْتَضَاهُ , وَهَذَا فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ , وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ إثْمٍ بِقَدْرِ قُوَّةِ ذَلِكَ الْحُبِّ وَضَعْفِهِ.
عِلَاجُ الْمَحْسُودِ مِمَّا لَحِقَ بِهِ مِنْ أَذًى بِسَبَبِ الْحَسَدِ:
13 -الْمَقْصُودُ بِالْعِلَاجِ هُنَا الْعِلَاجُ النَّبَوِيُّ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: الْإِكْثَارُ مِنْ التَّعَوُّذِ , وَمِنْ ذَلِكَ قِرَاءَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ , وَفَاتِحَةِ الْكِتَابِ , وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ , وَالتَّعَوُّذَاتِ النَّبَوِيَّةِ , نَحْوِ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. الثَّانِي: الرُّقَى: وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا رُقْيَةُ جِبْرِيلَ عليه السلام لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَهِيَ {: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيك مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ , اللَّهُ يَشْفِيك , بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك.} هَذَا وَمِمَّا يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرَ الْحَاسِدِ عَنْ غَيْرِهِ دُعَاؤُهُ لِغَيْرِهِ بِالْبَرَكَةِ وَقَوْلَةُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ: {إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ} وَكَمَا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: {مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ , لَمْ يَضُرَّهُ.} وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ , أَوْ دَخَلَ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهِ قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ
(الْآثَارُ الْفِقْهِيَّةُ) :
14 -إذَا أَدَّى الْحَسَدُ إلَى التَّلَفِ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ اعْتَرَفَ الْحَاسِدُ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْعَيْنِ فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ خِلَافٌ. فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: لَوْ أَتْلَفَ الْعَائِنُ شَيْئًا ضَمِنَهُ , وَلَوْ قَتَلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ , إذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ , بِحَيْثُ يَصِيرُ عَادَةً , وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالسَّاحِرِ. وَتَذْكُرُ كُتُبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْعَائِنَ إذَا أَصَابَ غَيْرَهُ بِالْعَيْنِ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْعَيْنِ فَلَا قِصَاصَ , وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ حَقًّا , لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ غَالِبًا , وَلَا يُعَدُّ مُهْلِكًا , وَلَا دِيَةَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ , لِأَنَّ